وسط البلد يتحول إلى مسرح مفتوح: “شارع الفن” يحتضن المبدعين في قلب القاهرة

حضور جماهرى كبير حول وسط البلد الى مسرح مفتوح في الشرق الأوسط
كتب : شريف فاروق – وليد على
لم تعد شوارع وسط القاهرة مجرد ممرات تعج بالمارة والسيارات، بل تحولت في أمسيات نهاية الأسبوع إلى فضاء مفتوح للفنون والإبداع، حيث تختلط أنغام الموسيقى بألوان اللوحات الفنية، وتتحول الأرصفة والساحات التاريخية إلى منصات تستقبل المواهب الشابة والحرفيين والفنانين أمام جمهور متنوع من المواطنين والسائحين. ففي شارع الشريفين ومثلث البورصة، أحد أكثر المناطق حيوية وتاريخًا في قلب العاصمة، تتجسد تجربة مختلفة تسعى إلى إعادة الفن إلى مكانه الطبيعي بين الناس، بعيدًا عن القاعات المغلقة والمسارح التقليدية.
المشهد الذي يتكرر أسبوعيًا لا يعكس مجرد فعالية ترفيهية أو مهرجانًا عابرًا، بل يكشف عن محاولة جادة لإحياء الدور الثقافي للشارع المصري وإعادة دمج الفن في الحياة اليومية للمواطن. فبين فنان يعرض لوحاته لأول مرة أمام الجمهور، وحرفي وجد فرصة لتسويق منتجاته اليدوية، وموسيقي يعزف وسط حشد من المتابعين، تتشكل صورة جديدة للعلاقة بين الفن والمجتمع، تقوم على التفاعل المباشر وإتاحة الفرصة للجميع للمشاركة دون حواجز.
وقد نجحت مبادرة “شارع الفن”، التي تنفذ بالتعاون بين محافظة القاهرة وأكاديمية الفنون ووزارة الثقافة، في استقطاب أعداد متزايدة من الزوار منذ انطلاقها، لتتحول تدريجيًا إلى نقطة جذب ثقافي وفني داخل قلب العاصمة. ولم يقتصر الحضور على سكان القاهرة فقط، بل امتد ليشمل زوارًا من محافظات مختلفة وسائحين عربًا وأجانب حرصوا على متابعة العروض الفنية والتفاعل مع الأنشطة المتنوعة التي تضم الموسيقى والفنون التشكيلية والحرف اليدوية وورش الإبداع.
ورغم أن الفكرة تبدو بسيطة في ظاهرها، فإن تأثيرها يتجاوز حدود الترفيه، إذ تفتح الباب أمام تساؤلات مهمة حول دور الفن في تشكيل الوعي المجتمعي، وقدرته على إعادة الحياة إلى المناطق التراثية، ومدى نجاح المبادرات الثقافية في اكتشاف المواهب الشابة واحتضانها. كما تطرح تساؤلًا آخر لا يقل أهمية: هل يمكن للفن أن يستعيد مكانه الطبيعي في الشارع ليصبح جزءًا دائمًا من الحياة اليومية؟
للإجابة عن هذه التساؤلات، انتقل مراسلي ومصوري الجريدة إلى شارع الشريفين ومثلث البورصة، والتقت بعدد المشاركين والزوار، لرصد آرائهم حول المبادرة، واستكشاف تأثيرها على الحركة الثقافية والفنية، ومدى نجاحها في تحويل قلب القاهرة إلى منصة مفتوحة للفن والجمال والإبداع.
التواصل المباشر مع الجمهور
وسط لوحاتها الفنية ومنتجاتها الجلدية اليدوية، وقفت ساندى سامي، الطالبة بكلية التربية الفنية، تستقبل الزوار وتشرح لهم تفاصيل أعمالها.
تقول ساندى إن مشاركتها في المبادرة جاءت بعد بحثها عن فرصة تمكنها من عرض إنتاجها الفني خارج أسوار الكلية والمعارض المغلقة.
وتوضح أن التجربة أتاحت لها التواصل المباشر مع الجمهور، والتعرف على آرائهم وانطباعاتهم حول أعمالها الفنية.

وأضافت أنها تشارك للمرة الثانية على التوالي، بعدما خاضت تجربتها الأولى خلال الأسبوع الماضي، والتي حققت خلالها نتائج إيجابية سواء على المستوى المعنوي أو المادي، حيث تمكنت من بيع عدد من الإكسسوارات والمنتجات التي قامت بتصميمها بنفسها. وترى أن أهم ما يميز “شارع الفن” هو أنه يمنح الفنان الشاب فرصة حقيقية للاحتكاك المباشر بالجمهور، بعيدًا عن القيود التقليدية للمعارض الفنية.
جمهور جاء بالمصادفة.. فبقي حتى نهاية العروض
ولعل اللافت في تجربة “شارع الفن” أن جزءًا كبيرًا من جمهوره لم يأتِ خصيصًا لحضور الفعاليات، وإنما دفعه الفضول أو الصدفة إلى التوقف ومتابعة ما يحدث.

أمجد نبيل كان أحد هؤلاء. يقول إنه كان في طريق عودته إلى منزله عندما استوقفته الموسيقى المنبعثة من قلب الشارع. اقترب لمعرفة ما يحدث، فوجد نفسه وسط أجواء احتفالية تجمع بين الفن والتراث والثقافة. ويؤكد أن المبادرة نجحت في تحويل منطقة وسط البلد إلى مساحة نابضة بالحياة بعد أن أصبحت ملتقى للفنانين والجمهور في آن واحد.
ويرى أمجد أن الفعاليات لا تقدم الترفيه فقط، بل تساهم أيضًا في التعريف بالتراث والثقافة المصرية أمام السائحين والزوار الأجانب، بما يعزز صورة مصر الثقافية والحضارية.
الشباب يطالبون بتعميم التجربة
وتؤكد منة الله سيد أن المبادرة تمثل متنفسًا مهمًا للمواهب الشابة التي تبحث عن فرصة للتعبير عن نفسها. وتوضح أن العديد من الشباب يمتلكون مهارات فنية وقدرات إبداعية كبيرة، لكنهم يفتقرون إلى المنصات التي تمكنهم من عرض أعمالهم والتواصل مع الجمهور.

وترى أن “شارع الفن” نجح في سد جزء من هذه الفجوة، من خلال إتاحة الفرصة أمام الفنانين الشباب لعرض أعمالهم في مكان مفتوح يرتاده آلاف المواطنين أسبوعيًا. كما أعربت عن أمنيتها بأن يتم نقل التجربة إلى مختلف المحافظات حتى يستفيد منها أكبر عدد ممكن من المبدعين.
الحرف اليدوية تستعيد مكانها
ولم تكن الفنون التشكيلية وحدها حاضرة في الفعاليات، إذ وجدت الحرف اليدوية أيضًا مساحة مهمة للعرض والتسويق.
أحمد شمس، أحد المشاركين في عرض وبيع السبح اليدوية، يرى أن المبادرة منحت الحرفيين فرصة حقيقية للوصول إلى الجمهور دون تحمل تكاليف إضافية أو رسوم مشاركة.

ويشير إلى أن الإقبال الجماهيري ساهم في تنشيط حركة البيع والتعريف بالمنتجات اليدوية التي تعكس جانبًا من التراث المصري.
وأضاف أن التعاون الذي وجده من الجهات المنظمة ساعد المشاركين على التركيز في عرض أعمالهم ومنتجاتهم، مؤكدًا أن وجود الحرف اليدوية جنبًا إلى جنب مع العروض الفنية يعكس مفهومًا أشمل للثقافة والإبداع.
السياحة والثقافة.. وجهان لعملة واحدة
وفي الوقت الذي جذبت فيه الفعاليات سكان القاهرة، نجحت كذلك في استقطاب زوار من محافظات مختلفة ومن جنسيات عربية وأجنبية.
محمد الغريب، الذي حضر الفعاليات للمرة الأولى، يؤكد أن ما شاهده فاق توقعاته. ويقول إن حجم الإقبال الجماهيري والتنظيم الجيد يعكسان نجاح المبادرة في تحقيق أهدافها. كما أشار إلى أن وجود السائحين بين الحضور يضيف بعدًا مهمًا للتجربة، إذ يتيح لهم التعرف على جانب من الثقافة المصرية بصورة مباشرة.

وأضاف أن بعض الزوار كانوا يتوافدون إلى المنطقة قبل ساعات من بدء الفعاليات بعد متابعتهم للإعلانات والمنشورات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وهو ما يعكس نجاح المبادرة في الوصول إلى شرائح مختلفة من الجمهور.
حراك ثقافي جديد
أما هيام أبوالليل فترى أن “شارع الفن” لا يمثل مجرد فعالية أسبوعية، بل بداية لحراك ثقافي يمكن أن يترك أثرًا طويل المدى على المجتمع. وتؤكد أن المبادرة تخدم الفنانين والحرفيين والجمهور في الوقت نفسه، حيث توفر للمبدعين منصة للعرض، بينما تمنح الجمهور فرصة للاستمتاع بالفنون والتعرف عليها عن قرب.
وطالبت بتوسيع نطاق التجربة لتشمل مناطق أخرى داخل القاهرة والمحافظات المختلفة، مؤكدة أن مصر تزخر بالمواهب التي تحتاج فقط إلى فرصة للظهور.
سلمى أيقونة شارع الفن .. موهبة من ذوي الهمم تخطف الأنظار

ومن بين المشاهد الإنسانية اللافتة داخل “شارع الفن”، برزت مشاركة الطفلة سلمى أحمد حسن من ذوي الهمم، التي نجحت في جذب اهتمام الجمهور من خلال لوحاتها الفنية.
ويوضح والدها الاستاذ أحمد حسن أن مشاركتها جاءت بعد إشادة عدد من الفنانين والمتخصصين بأعمالها، الأمر الذي دفع القائمين على المبادرة إلى تخصيص مساحة لعرض إنتاجها الفني. ومنذ اليوم الأول، حظيت سلمى باهتمام واسع من الزوار والإعلاميين الذين حرصوا على التعرف إلى تجربتها والتقاط الصور معها.
وترى أن المبادرة قدمت نموذجًا ناجحًا لدمج أصحاب المواهب من ذوي الهمم في الأنشطة الثقافية والفنية، ومنحت سلمى فرصة للتعريف بإبداعها أمام جمهور واسع وان أصحاب الهمم قادرون حقا على الابداع .
الفن الراقي واستعادة الذوق العام
وخلال جولتنا بين الزوار، برزت آراء عديدة تؤكد الحاجة إلى مزيد من المبادرات الثقافية المشابهة.

يسير أحمد سمير من ذوى الهمم وسط الناس على كرسيه بسعادة امام العالم بما شاهده من الوان الموسيقى والفنون ، برفقة رودي السيد ومحمد سراج، وقد ابهرهم “شارع الفن” من التنوع الكبير في الفعاليات، التي لا تقتصر على الموسيقى والغناء فقط، بل تشمل الرسم والفنون التشكيلية والحرف اليدوية وغيرها من الأنشطة الإبداعية.

ويرى الأستاذ هشام عبد الجواد ونجلاء السيد أن المجتمع في حاجة إلى استعادة الاهتمام بالفنون الراقية التي تسهم في تشكيل الوعي والارتقاء بالذوق العام، خاصة في ظل التغيرات الثقافية التي شهدتها السنوات الأخيرة. كما دعوا إلى استمرار المبادرة وتعميمها في مختلف المحافظات، مع منح كل محافظة الفرصة لإبراز هويتها الثقافية والتراثية الخاصة.

ويؤكد الأستاذ محمد عبد الله وابنتة الاستاذة رباب محمد ان المجتمع بحاجة الى هذا الفن الراقى وهذه اللوحه الفنية الكبيرة التي يرسمها شارع الفن و رواده بالوان من فنون الفلكلور الجميل الذى يعيد لمصر جمالها ومكانتها بين العالم الذى جاء يستمتع بهذه الفنون .
نموذج ثقافي يستحق التوسع
وتكشف آراء المشاركين والزوار أن “شارع الفن” نجح في تحقيق ما هو أبعد من مجرد تنظيم عروض فنية أسبوعية. فقد استطاع أن يعيد الحياة إلى أحد أهم شوارع وسط القاهرة، وأن يخلق مساحة للتفاعل بين الفنان والجمهور، وبين التراث والحداثة، وبين الثقافة والحياة اليومية.
ومع استمرار الفعاليات وتزايد الإقبال الجماهيري عليها، تبدو المبادرة نموذجًا ثقافيًا واعدًا يمكن البناء عليه في المستقبل، خاصة في ظل المطالب المتزايدة بتوسيع التجربة لتشمل مناطق ومحافظات أخرى، بما يضمن وصول الفنون إلى أكبر شريحة ممكنة من المواطنين، وتحويل الشارع المصري إلى فضاء مفتوح للإبداع والجمال.
ينشر بالتزامن مع جريدة المساء



