وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ.. وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ

في أدبيات السجون الكلاسيكية، في الروايات أو عبر شاشات السينما، هناك دائماً ذلك المشهد الأيقوني لذلك المُدان والمحكوم عليه بالإعدام..
يجلس في زنزانته الانفرادية الباردة، يعد أنفاسه..
يرتعد من صوت خطوات الحراس في الممر الطويل..
في مل لحظة يتخيل حبل المشنقة يتدلى أمام عينيه من كل ركن.
كل شيء انتهى..
الملف أُغلق، والنقض رُفِض، والحكم بات نهائياً وباتت رقبته ملكاً للمقصلة.
ثم فجأة.. وفي اللحظة الأخيرة.. يفتح مأمور السجن الباب الثقيل، لا ليسحب المُدان إلى الغرفة السوداء، ولكن ليلوح في وجهه بورقة بيضاء ممهورة بختم أنيق، هاتفا بصوت جهوري:
“عفو ملكي .. أنت حر!”.
في تلك اللحظة الفارقة، لا يتم فقط إلغاء العقوبة..
بل يحدث شيء أخطر وأعمق.
يتم “محو” صفة “مجرم” من هويته..
يتم إعدام “السوابق” وليس الشخص الذي كان ينتظر الموت.
يتحول من “ميت” يمشي على قدمين، ينتظر نهايته المحتومة، إلى “مولود” جديد يخرج للنور بصفحة بيضاء ناصعة.
هذا المشهد الدرامي المألوف يتضاءل كثيرًا حتى يكاد يتلاشى ولا يبقى منه أثر باهت أمام المشهد الكوني الذي ذكره الجزء الأخير من حديث الليلة المميزة من رمضان..
الليلة الأولى..
مشهد العتق..
«وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ.. وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ».
تأمل بقلبك مصطلح (عُتَقَاءُ)..
هي ليست كلمة عابرة.
“العتق” في قاموس السماء ليس مجرد “مغفرة” لذنب، أو “تجاوز” عن خطيئة عابرة.
المغفرة قد تمحو الذنب، لكن تبقى “القابلية” للعودة، ويظل الملف مفتوحاً.
لكن “العتق” شيء مختلف
وكأنه تغيير جذري في (الهوية).
العتق يعني أن ثمة رقبة كانت “مملوكة” للنار، موسومة بختم “من أهل الجحيم”.. ثم صدر “مرسوم” من ملك الملوك جل وعلا بفك هذه الرقبة وتحريرها نهائياً من قيود الشقاء، وانتقال ملكيتها إلى “الجنة”.
المفرح حقاً أن هذا المرسوم الملكي لا يُرَد..
من أُعتق.. لا يعود للنار أبداً.
أيصير معصوما إذاً؟
لا يا صديقي لا عصمة بعد الأنبياء..
لكن يمكنك أن تقول أنه يصير موفقا..
إذا صدر مرسوم عتقه فحتى إن زل وعصى بعد ذلك فإنه سيوفق…
سيوفق للتوبة والعودة والإنابة…
العتق أشبه بوثيقة “تأمين” ضد الهلاك.
إنها اللحظة التي لم تعد “متهماً” تكاد التهمة تثبت عليك بعقوبة مهلكة..
قد صرت حراً..
هذا العفو الشامل ليس قاصراً على أول ليلة ولا على “ليلة القدر” في آخر الشهر كما نتوهم!
في الحديث إضافة حاسمة من النبي صلى الله عليه وسلم لها مقصود واضح
«وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ».
في كل ليلة رمضانية، ومع غروب الشمس وارتفاع صوت الأذان، هناك “قائمة” جديدة تصدر بأسماء العتقاء!
كل ليلة، ثمة “دفعة” جديدة من المحكوم عليهم، يتم توقيع قرارات الإفراج النهائي عنهم.
العجيب أن أكثرنا يؤجل اجتهاده ودموعه للعشر الأواخر، ظناً منه أن الأمر يسير بمساق يشبه مساقات الدنيا حيث “توزيع الجوائز” يتم في الحفل الختامي فقط!
يا عزيزي القوائم تُكتب الآن!
وأسماء الناجين تُرفع الآن!
وقد يكون اسمك في “كشف الليلة الأولى”، وأنت لا تدري.. فتُكتب من السعداء للأبد، ولتكمل باقي الشهر تلذذاً وحباً..
رمضان ليس “ماراثون” طويلاً ننتظر نهايته لنعرف الفائز..
هناك من يفوز في كل خطوة وهناك من سينجو في كل ليلة
رمضان “فرصة يومية” غير مسبوقة.
لذلك وصيتي لك في هذه الرسالة ألا تغفل عن ليلة واحدة إن استطعت..
في كل ليلة قف بباب الله وقفة “المحكوم عليه” الذي ينتظر العفو بلهفة.
لا تدخل عليه بـ “أعمالك” فأعمالنا كلها لا تكفي
بل ادخل عليه بـانكسارك واحتياجك
طأطئ رأسك في السجود وقل بقلب واجف: يا رب، هذه ناصيتي الخاطئة بين يديك.. وهذه رقبتي قد أثقلتها الأغلال.. وأنت الملك.. والمغفرة صفتك والعفو اسمك.
وهؤلاء عبادك يُعتقون..
فاعتقني معهم..
زاحم على القوائم من الليلة الأولى.
فوالله لو كُتب اسمك فيها مرة واحدة.. وحُرر صك عتقك..
لن تشقى بعدها أبداً.
مختارة من حساب الدكتور محمد علي يوسف على فيسبوك.



