يوميات وطن ينزف (1) الخرطوم… مدينة تبحث عن قلبها

بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير
لم تكن الخرطوم يومًا مجرّد عاصمة على الخريطة، ولا نقطة التقاء نيلين فقط، بل كانت كائنًا حيًا يشبه شيخًا كبيرًا، يفتح ذراعيه باتساع صدره، يربّت على كتف الشمال والجنوب والشرق والغرب، ويقول للجميع: تعالوا… هنا نتسع لبعضنا، رغم اختلافنا، ورغم كل ما مرّ بنا.
مدينة تُصالح المتناقضات
كانت الخرطوم مدينة تعرف كيف تجمع الناس دون أن تسألهم من أين أتوا مدينة تُصالح المتناقضات، وتمنح الجميع إحساسًا خفيًا بالأمان، كأنها قلب كبير ينبض للجميع في الوقت نفسه.
ثم جاء يوم، لم ينطفئ فيه الضوء دفعة واحدة، بل بدأ يتلكأ شيئًا فشيئًا.
لم تسقط المدينة فجأة، بل بدأت تتآكل من الداخل، شارعًا بعد شارع، وذاكرة بعد ذاكرة.
شارع الجامعة، الذي كان يضجّ بالطلاب، والباعة، والخطى المسرعة نحو المحاضرات، صار يعرف نوعًا جديدًا من الخطوات.
خطوات لا تسعى للعلم، بل تهرب من رصاصة لا ترى صاحبها والوجوه التي كانت تحمل دفاتر وحقائب، صارت تحمل خوفًا صامتًا، ونظرات تبحث عن مخرج.
الأسواق التي كانت تُغلق على مهل عند الغروب، بعد يومٍ طويل من المساومة والضحك، صار بابها يُصفق بعصبية عند أول صوت طائرة، أو أول همسة عن اشتباك قريب.
لم يعد الغروب نهاية يوم عمل، بل بداية قلقٍ جديد.
مدينة تحفظ وجوه أبنائها
في الأحياء القديمة من الخرطوم، لم تكن الأماكن تُعرَّف باللافتات، بل بالبشر:
هذا دكان عمّ حسن وهذا فرن عمّ إدريس وتلك شجرة النيم التي يجتمع تحتها الجيران في المساء، يتبادلون الأخبار ويضحكون على همومهم.
اليوم، تغيّرت اللغة كل شيء بات يُعرَّف بالصوت: هنا سمعنا أول دوي وهنا أُصيب أحدهم وهنا مرّت الدبابة.
الأم التي كانت تأمر أبناءها بالدخول قبل المساء كي لا يتأذوا من البعوض، صارت تُدخلهم قبل الظهر خوفًا من الرصاص.
والأب الذي كان يخرج إلى عمله وفي جيبه همّ الأسعار فقط، صار يخرج وقد ودّعهم كأنها المرة الأخيرة.
صار الخوف جزءًا من أثاث البيت يجلس معهم على المائدة، ينام معهم في الغرفة، ويتسلل إلى أحلامهم دون استئذان.
تفاصيل صغيرة تغيّرت… ففضحت حجم الكارثة
الكارثة لا تُقاس فقط بعدد القتلى، ولا بحجم الدمار المادي.
الكارثة الحقيقية تظهر حين تتحوّل الأشياء العادية إلى بطولات.
أن تصل سالمًا إلى أقرب مخبز… مغامرة.
أن تجد دواءً بسيطًا لحمّى طفل… إنجاز.
أن يمرّ يوم كامل دون أن تسمع اسم شخص تعرفه ضمن قائمة المفقودين… إنجاز.
الخرطوم التي كانت تتأفف من انقطاع الكهرباء بضع ساعات، صارت تحتفل بساعتين متصلتين من النور.
والماء الذي كان يُهدر في غسل السيارات والطرقات، صار يُدار كقطرة حياة تُقسم بين عدة بيوت.
والهاتف، الذي كان وسيلة تواصل عادية، صار يحمل سؤالًا واحدًا لا يتغير:
هل ما زلت حيًّا؟ أجبني… حتى لو بكلمة واحدة.
مفتاح البيت… وذاكرة الرماد
كان العم إبراهيم يعتقد أن التقاعد هو المكافأة التي سينالها بعد ثلاثين عامًا من العمل في مصلحة البريد.
كان طقسه اليومي يبدأ بالمشي من منزله الصغير في حي الديوم، وصولًا إلى شارع الجامعة، يشتري صحيفة الصباح، ويتبادل التحايا مع بائع الشاي الذي يعرف سكره “زيادة” دون أن ينطق بكلمة.
في ليلة الخامس عشر من أبريل 2023، لم ينكسر الصمت فجأة، بل تمزق.
استيقظ العم إبراهيم على صوت لم يألفه طوال سبعين عامًا.
لم يكن رعدًا… كان زئير المدافع
نظر إلى زوجته، الحاجة آمنة، التي حاولت إخفاء ارتعاش يدها وهي تمسك بسبحتها.
مرت الأيام، وأصبح الخوف ضيفًا ثقيلًا يشاركهما الغرفة.
لم تعد آمنة تخاف على أحفادها من ضربات الشمس أو البعوض، بل صارت تمنعهم من الاقتراب من النوافذ.
تحولت الصالة التي كانت تضج بالضحكات إلى “منطقة عمليات”، يزحفون فيها على الأرض للوصول إلى المطبخ.
وصار تمييز صوت الدبابة عن السيارات العادية مهارة يتقنها الصغار قبل الكبار.
اليوم، يعيش العم إبراهيم في ولاية أخرى، بعيدًا عن ضجيج المقرن.
وفي كل مساء، يخرج مفتاح بيته القديم، يلمسه بأصابعه المرتجفة، ويقول لأحفاده:
“يا أبنائي… نحن لم نترك الخرطوم، هي الآن تختبئ في قلوبنا، حتى يهدأ الرصاص، وتعود لتمشط شعرها على ضفاف النيل مرة أخرى”
الخرطوم اليوم ليست مدينة مدمَّرة فقط… إنها مدينة تبحث عن قلبها،
وتعرف، رغم كل شيء، أن القلب لا يموت… بل ينتظر.
السفير د. أحمد سمير
عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة
السفير الأممي للشراكة المجتمعية
رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية







