السودانشئون عربية

يوميات وطن ينزف (10) الخرطوم… مدينةٌ تقتاتُ على أنينها

    قلبي سوداني (9)

         

بقلم أيقونة الاتزان /السفير د. أحمد سمير                 

هناك مدنٌ حين تُصاب، تصرخ وهناك مدنٌ حين تُذبح، تصمت والخرطوم اليوم ليست بالقوية لتصرخ ولا بالضعيفة لتصمت: فهي مدينةٌ تقتاتُ على أنينها.

لم تعد الخرطوم كما كنّا نعرفها؛ تلك التي تبدأ صباحَها على نيلٍ هادئ يُصافح ضفتيه، وتنتهي لياليها بطمأنينة الناس في الأزقة والحارات. 

الخرطوم بين الحياة والموت  

             

اليوم، تغيّر كل شيء ،الخرطوم الان تعيش زمنها الأكثر قسوة منذ أن عرفها السودانيون مدينةً للحياة لا ساحةً للحرب.

لم يأتِ الخراب فجأة كان يلوّح من بعيد، ويقترب خطوةً بعد خطوة… حتى صار في قلبها.
الجسور التي كانت تربط الضفاف ببعضها، صارت نقاط اشتباك.
المستشفيات التي كانت ملاذاً للمرضى، صارت هدفاً للقذائف.
والبيوت التي كانت تنام على أصوات العصافير، باتت تستيقظ على صدى الرصاص.

حكايات الأمل وسط الخراب

لكن الخرطوم، رغم كل هذا، لم تنكسر.
المدن لا تنكسر إلا إذا انكسر أهلها… وأهل الخرطوم ما زالوا واقفين.

في قلب العتمة، تجد امرأةً تحمل طفلين، تبحث عن مأوى امن بعيدا عن القتل والدمار الذي طال كل شي.
وتجد شاباً يفتح شقته لجيرانه الذين لم يجدوا مأوى.
وتجد طبيباً يغامر بحياته ليصل إلى مركز طبي مُحاصر لينقذ ما يمكن انقذه
وتجد رجلاً مسنّاً يبتسم وسط الخراب ويقول لجاره:
يا ولدي… البلد دي ما بتموت، الناس بس تعبت لكن الأمل موجود

هذه الحكايات الصغيرة هي التي تحفظ للخرطوم روحها.
هي التي تمنع المدينة من الانهيار الكامل.
هي التي تقول للعالم: الخرطوم ليست مجرد عاصمة محاصرة… إنها أمٌّ كبيرة، مهما جاعت وضربها المرض، تبقى قادرة على احتضان أبنائها.

ذاكرة مدينة تُستنزف

لكن الحقيقة المؤلمة أنّ الخرطوم تُستنزف.
كل يوم يسقط جزء من ذاكرتها، وقطعة من بناياتها، وملامح من وجهها القديم.
وأخطر ما تفعله الحروب بالمدن ليس أنها تدمّر جدرانها… بل أنها تمحو ذاكرتهم وتقطع روابط الناس، تشرّدهم، وتفرّق عائلات لم تتخيّل يوماً أنها ستترك أرضها.

ما يحدث في السودان اليوم ليس صراعاً على السلطة فحسب؛ إنه صراع على هويتها، على معنى أن تكون السودان هي السودان.

ربما هنا تكمن المأساة العالم لا يرى في السودان إلا عنواناً سياسياً.
أما نحن فنرى العائلات المفقودة، والمدارس المغلقة، والطرقات التي لم تعد تعرف السير، والأطفال الذين صاروا يفهمون معنى كلمة “حصار” أكثر من معنى كلمة حديقة.

ستعود السودان

الخرطوم قبل الحرب

ورغم ذلك، ما زلت مؤمناً أن السودان ستنهض ليس لأن العالم سيساعدها
ولا لأن الأطراف المتحاربة ستستيقظ ذات يوم وقد هداها عقلها
بل لأن المدن التي تُبنى على ضفاف الأنهار لا تموت بسهولة.
النهر نفسه يعلّمها كيف تتجدد، كيف تنبع من جديد حتى بعد الجفاف الطويل.ستعود حين يقرر أبناؤها أنّ بلدهم أكبر من البنادق، وأقدس من الأطماع.
ستعود حين يتوقف هذا النزيف الطويل، ويعود الناس إلى بيوتهم، وتعود السودان إلى ضجيجها الطبيعي الذي اشتقنا إليه.

وإلى ذلك اليوم… تبقى السودان سؤالاً موجعاً، وجمرةً ساخنة في قلب كل سوداني، وجرحاً عربياً مفتوحاً لا يُمكن تجاهله.

السفير د. أحمد سمير

عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة

السفير الأممي للشراكة المجتمعية

رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى