السودانشئون عربية

يوميات وطن ينزف (19) السودان… وطنٌ يحاول أن ينجو من نفسه

   قلبي سوداني (15)

بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير

الحرب في السودان لم تعد مجرد اشتباكات متفرقة لقد تحولت إلى نزيفٍ طويل يلتهم المدن، ويعيد تشكيل الجغرافيا، ويترك المجتمع السوداني كله معلقًا بين الأمل والخوف.

ومع دخول الحرب عامها الثالث، تبدو البلاد وكأنها تعيش فوق خريطة متحركة:
مدن تتبدل السيطرة عليها، ومناطق تنهار فيها الخدمات بالكامل، وملايين المدنيين يحاولون فقط أن يمرّ يوم آخر دون فقدٍ جديد.

التطورات الأخيرة في السودان لا تتحدث فقط عن تقدم عسكري هنا أو تراجع هناك، بل تكشف أن الحرب دخلت مرحلة أكثر تعقيدًا، وأشد استنزافًا للجميع.

الخرطوم لم تعد تُقاس اليوم بمن يسيطر على شارع أو جسر، بل بمن يستطيع أن يعيد الحياة إليها.

فالمدينة التي كانت تضجّ بالناس، صارت تتعلم كيف تعيش بنصف روح:
مبانٍ محترقة، أحياء فارغة، ومواطنون يتحركون بحذر وكأنهم يسيرون داخل ذاكرة مكسورة.

كردفان ودارفور… قلب النار المفتوح

إذا كانت الخرطوم تمثل الواجهة السياسية للحرب، فإن دارفور وكردفان أصبحتا القلب الأكثر اشتعالًا.

المعارك في إقليم دارفور لا تزال تحمل الطابع الأكثر قسوة، خاصة مع استمرار التوتر، مع التحذيرات الإنسانية من تفاقم الأوضاع

وفي كردفان، تتواصل العمليات العسكرية ومحاولات السيطرة على المدن والطرق الحيوية، لكن خلف هذه الأخبار العسكرية، هناك مشهد آخر لا يظهر دائمًا:
قرى تُفرغ من سكانها، وعائلات تنام على صوت المدافع، وأطفال يتعلمون أسماء الأسلحة قبل أسماء المدن.

الحرب هنا لم تعد ضيفًا ثقيلًا… بل صارت جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية.

الانشقاقات… حين يبدأ التآكل من الداخل

واحدة من أبرز التطورات خلال عام 2026 الحديث المتزايد عن الانشقاقات داخل بعض التشكيلات، مع انسحاب قيادات ميدانية وشخصيات قبلية من مواقعها.

هذه الانشقاقات لا تعني بالضرورة اقتراب نهاية الحرب، لكنها تكشف أن الصراع بدأ يترك أثره حتى داخل البنية الداخلية للقوى المتحاربة.

الحروب الطويلة لا تُنهك المدنيين فقط، بل تُرهق حتى الذين يحملون السلاح.

ومع كل انشقاق جديد، يزداد المشهد السوداني تعقيدًا: تحالفات تتغير، وموازين قوى تتحرك، ومخاوف من أن يتحول الصراع إلى نزاعات أصغر وأكثر تشظيًا.

الحرب التي التهمت الاقتصاد والناس

السودان اليوم لا يواجه فقط حربًا عسكرية، بل انهيارًا واسعًا في تفاصيل الحياة.

الأسعار ترتفع بشكل مرهق، الخدمات الصحية تتراجع، والكهرباء والمياه أصبحتا رفاهية في بعض المناطق.

وتقدّر الأمم المتحدة أن ملايين السودانيين يحتاجون إلى مساعدات إنسانية عاجلة، في واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم حاليًا.

لكن الأزمة ليست فقط في نقص الغذاء أو الدواء، بل في الإحساس الجماعي بأن البلاد تُستنزف ببطء.

فالطبيب هاجر، والمعلم نزح، والشباب الذين كان يمكن أن يبنوا السودان، صار كثير منهم منشغلين فقط بكيفية النجاة.

الإعلام… والبلد الذي يخشى أن يُنسى

ورغم حجم المأساة، يشعر كثير من السودانيين أن العالم لم يعد ينظر إليهم بالقدر الكافي.

الحرب في السودان أصبحت، بالنسبة لكثير من وسائل الإعلام الدولية، خبرًا يمر سريعًا بين أزمات العالم الأخرى.

لكن خلف هذا الصمت، هناك بلد كامل يحاول أن يقول: نحن لسنا أرقامًا

السودانيون اليوم لا يخافون فقط من الحرب، بل من أن تتحول معاناتهم إلى مشهد عادي يعتاده العالم.

مع ذلك… السودان لم يمت

ورغم كل هذا الخراب، لا يزال هناك شيء يقاوم في الأحياء المدمرة، ما زال الناس يقتسمون الخبز.
وفي معسكرات النزوح، ما زالت الأمهات يحاولن تعليم أطفالهن معنى الأمل.
وفي المدن البعيدة، ما زال السودانيون يجتمعون حول قهوتهم ولهجتهم وضحكاتهم الصغيرة، كأنهم يحمون ما تبقى من الوطن داخلهم.

السودان اليوم متعب… نعم.
منهك… نعم.
لكنّه لم يفقد روحه بالكامل.

ربما تكون الحرب قد كسرت الشوارع، وأطفأت بيوتًا كثيرة، وسرقت من الناس سنوات لن تعود.

لكن الأوطان لا تُقاس فقط بحجم الدمار، بل بقدرة أهلها على النهوض بعده وسيأتي يوم، مهما بدا بعيدًا، تعود فيه الخرطوم لتسمع ضجيج الحياة بدل صوت الرصاص، وتعود دارفور أرضًا للزرع لا للخوف، ويجلس “العم الطيب” أمام بيته، يستمع إلى الأخبار دون أن يخشى على حفيده من الغد.

لأن السودان، رغم كل هذا النزيف، ما زال يملك شيئًا لم تستطع الحرب أن تسرقه: قلوبًا تؤمن أن الوطن لا يُختصر في الحرب، وأن الليل، مهما طال، لا يستطيع أن يمنع الفجر من الوصول.

السفير د. أحمد سمير

عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة

السفير الأممي للشراكة المجتمعية

رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى