السودانشئون عربية

يوميات وطن ينزف (21) جبل عامر… حين يتحوّل الذهب إلى وقودٍ للحرب

       قلبي سوداني (17)

بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير

في عام 2013، تناقلت وكالات الأنباء العالمية قصة رجل سوداني بسيط من إقليم دارفور ترك قريته متجهاً نحو منطقة جبل عامر بعد أن سمع، كما سمع آلاف غيره، عن اكتشافات هائلة للذهب هناك.

كان يحلم بأن يعود بعد أشهر قليلة وقد جمع ما يكفي لبناء منزل صغير لتأمين مستقبل أطفاله.

لم يكن الرجل يبحث عن ثروةٍ خيالية، ولا عن حياة مترفة كان يريد فقط فرصةً للهروب من الفقر الذي أثقل كاهله سنوات طويلة.

وصل إلى المنطقة كما وصل آلاف المنقبين من مختلف أنحاء السودان نصب خيمته بين الرمال، وحمل أدواته البسيطة، وبدأ الحفر.

لكن جبل عامر لم يكن مجرد منجم للذهب كان شيئاً أكبر بكثير.

كان منطقة تتقاطع فيها المصالح الاقتصادية، والنفوذ القبلي، والحسابات العسكرية، والصراعات السياسية.

وبينما كان بعض الناس يحفرون بحثاً عن المعدن الأصفر، كانت أطراف أخرى تحفر بحثاً عن السلطة والنفوذ والسيطرة.

ولم تمضِ سنوات حتى تحولت المنطقة إلى واحدة من أكثر البقع حساسية في السودان كله.

فما الذي جعل جبل عامر يتحول من مجرد منجم إلى عنوان دائم للصراع؟

جبل عامر… الجبل الذي غيّر معادلات كثيرة

يقع جبل عامر في ولاية شمال دارفور، وهي منطقة عرفت تاريخياً بثرائها المعدني، لكن الاكتشافات الكبيرة للذهب التي ظهرت خلال العقد الماضي جعلت اسمها يتردد ليس فقط داخل السودان، بل في دوائر اقتصادية وأمنية إقليمية ودولية.

فالحديث هنا لا يدور عن منجم صغير أو موقع تعدين محدود، بل عن واحد من أغنى مواقع الذهب في القارة الإفريقية.

وتشير تقديرات وتقارير متعددة إلى أن جبل عامر كان خلال بعض السنوات ينتج كميات ضخمة من الذهب جعلته محوراً اقتصادياً بالغ الأهمية داخل السودان وخارجه.

لذلك لم يعد الجبل مجرد تضاريس جغرافية في دارفور، بل أصبح رقماً مؤثراً في معادلات القوة والثروة.

الذهب القريب من السطح يشعل المنافسة

في كثير من مناطق التعدين حول العالم، يحتاج استخراج الذهب إلى استثمارات ضخمة وتقنيات معقدة وحفر عميق يمتد مئات الأمتار تحت الأرض.

أما في جبل عامر، فقد كانت الصورة مختلفة.

فالذهب وُجد في كثير من المواقع قريباً من سطح الأرض، وبنسب تركيز مرتفعة نسبياً مقارنة بمناطق أخرى.

هذا ما جعل عمليات الاستخراج أكثر سهولة وأقل تكلفة.

وبالطبع، حين تكون الثروة قريبة من اليد، يزداد عدد الأيدي التي تريد الوصول إليها.

سرعان ما تدفقت أعداد كبيرة من المنقبين التقليديين، والتجار، والوسطاء، وأصحاب النفوذ وكلما ازدادت قيمة الذهب، ازدادت أهمية السيطرة على المنطقة.

فالذهب هنا لم يكن مجرد مورد اقتصادي، بل أصبح وسيلة لتمويل النفوذ، وتعزيز المكانة، وبناء شبكات القوة.

حين يتحول المنجم إلى ساحة صراع

المشكلة لم تكن في الذهب نفسه فالذهب معدن لا يحمل نوايا حسنة أو سيئة لكن طريقة إدارة الثروة هي التي تحدد مصيرها.

في المناطق التي توجد فيها مؤسسات قوية وقوانين واضحة، تتحول الثروات الطبيعية إلى مدارس ومستشفيات وطرق وفرص عمل.

أما حين تضعف الدولة وتتعقد الأوضاع الأمنية، فإن الثروة قد تتحول إلى سبب إضافي للصراع وهذا ما حدث في أجزاء من دارفور.

فمع ازدياد أهمية جبل عامر، بدأت المنافسة على السيطرة عليه تأخذ أبعاداً تتجاوز الاقتصاد.

أصبحت المنطقة محط أنظار أطراف متعددة، لكل منها حساباته ومصالحه.

ولم يعد السؤال: كم يحتوي الجبل من الذهب؟

بل أصبح: من يسيطر على الجبل؟

ومن يتحكم في العائدات؟

ومن يمتلك القدرة على حماية طرق النقل والتجارة؟

هكذا تحول الذهب من فرصة للتنمية إلى أحد العوامل التي غذّت التوترات والصراعات.

دارفور… الأرض التي دفعت الثمن مرتين

المؤلم في هذه القصة أن دارفور لم تكن تحتاج إلى مزيد من الأزمات فالإقليم عانى لسنوات طويلة من النزاعات والنزوح والتحديات الإنسانية وكان من المفترض أن تكون الثروات الطبيعية فرصة لتخفيف المعاناة وتحسين حياة الناس لكن ما حدث في كثير من الأحيان كان العكس فبدلاً من أن تتحول الثروة إلى استقرار، أصبحت سبباً جديداً للتنافس وبدلاً من أن يشعر سكان المناطق الغنية بالموارد بأنهم أكثر استفادة، وجد كثير منهم أنفسهم يعيشون وسط بيئة معقدة تزداد فيها التحديات يوماً بعد يوم.

وهي مفارقة مؤلمة تتكرر في أماكن كثيرة من العالم فبعض المناطق لا تعاني بسبب فقرها، بل بسبب غناها.

لعنة الموارد… حين تصبح الثروة اختباراً

يعرف علماء الاقتصاد والسياسة مفهوماً يُسمى “لعنة الموارد” وهو مصطلح يصف الحالة التي تمتلك فيها دولة أو منطقة ثروات طبيعية هائلة، لكنها تفشل في تحويلها إلى تنمية واستقرار.

فيتحول المورد الذي يفترض أن يكون نعمة إلى مصدر للتوتر والصراع.

وعندما يتأمل الإنسان تجربة جبل عامر، يدرك لماذا يطرح بعض الباحثين هذا المفهوم عند الحديث عن مناطق الثروات الطبيعية في البيئات غير المستقرة.

  • فالذهب قادر على بناء اقتصاد قوي.
  • وقادر أيضاً على تمويل نزاعات طويلة.
  • والفرق بين الحالتين لا يصنعه المعدن نفسه.
  • بل تصنعه المؤسسات والقوانين والحوكمة الرشيدة.

ما الذي يحتاجه السودان؟

السودان لا يحتاج إلى مزيد من الذهب فالذهب موجود بالفعل ولا يحتاج إلى اكتشاف مناجم جديدة فقط

  • بل يحتاج إلى منظومة قادرة على إدارة هذه الثروات بعدالة وشفافية.
  • ويحتاج إلى مؤسسات تجعل عائدات الموارد تعود إلى المواطن.
  • ويحتاج إلى استقرار يحول المناجم من ساحات تنافس إلى مشاريع تنمية.
  • ويحتاج إلى رؤية تعتبر أن الثروة الوطنية ملك لكل السودانيين، لا ملكاً لمن يفرض سيطرته بالقوة.

فالبلاد التي تمتلك موارد بهذا الحجم تملك فرصة حقيقية للنهوض، إذا استطاعت أن تفصل بين الثروة والصراع.

بين الذهب والمستقبل

جبل عامر ليس مجرد قصة منجم إنه مرآة تعكس سؤالاً أكبر يواجه السودان كله: هل تتحول الثروات إلى جسور للمستقبل أم إلى أسباب جديدة للنزاع؟

فالسودانيون لا يحتاجون إلى مزيد من الحروب حول الذهب، بل يحتاجون إلى أن يروا الذهب يتحول إلى مدارس لأطفالهم، ومستشفيات لمرضاهم، وطرق تربط مدنهم، وفرص عمل تحفظ كرامتهم.

فالكنوز الحقيقية ليست تلك المدفونة تحت الرمال فقط الكنز الحقيقي هو الإنسان الذي يستطيع أن يعيش آمناً في أرضه، ويشعر أن ثروات وطنه تعمل من أجله لا ضده.

وربما سيأتي يوم ينظر فيه أهل دارفور إلى جبل عامر بطريقة مختلفة لا باعتباره عنواناً للصراع، بل رمزاً لما يمكن أن يحدث عندما تنتصر الحكمة على الطمع، وتنتصر الدولة على الفوضى، وينتصر البناء على الهدم.

فالأرض التي أخرجت الذهب من أعماقها، قادرة أيضاً أن تخرج الأمل من بين الركام.

والسودان، رغم كل ما مر به، ما زال يملك فرصة أن يجعل من ثرواته بداية نهضةٍ جديدة، لا فصلاً جديداً من فصول الألم.

السفير د. أحمد سمير

عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة

السفير الأممي للشراكة المجتمعية

رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى