أراء وقراءاتالسودان

يوميات وطن ينزف ( 3 ) ..السودان بين خيانتين: الداخل والخارج

بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير

في كل مدينة محاصرة، يظهر نوع جديد من البطولة: يطلق عليها بطولة “إدارة اليوم العادي تحت سقف الكارثة” والتي محتوها

  • من يخبز خبزاً، يمارس بطولة.
  • من يفتح بيته لاستقبال النازحين، يمارس بطولة.
  • من يحرس بقايا حيّه في الليل، حتى ولو بعصا ومصباح، يمارس بطولة.

هناك أطباء يجرون عمليات في ظروف لا تليق حتى بعيادة ميدانية بدائية، ومع ذلك يصرّون أن يمنعوا الموت من تحقيق انتصارات سهلة.

هناك معلمون يحاولون تعليم الأطفال ولو في فناء مسجد، أو في ظل شجرة، فقط كي يقولوا لهم: “العالم لم ينتهِ بعد، وما زال في العمر فسحة للحروف”.

المدينة التي تعلّمت البقاء رغم أنف الطامعين

الخرطوم اليوم ليست ضحية طرفٍ واحد، بل هي ضحية جشعٍ داخلي واستغلالٍ خارجي وصمتٍ عالمي مريح.

في الداخل، تتنازع القوى على سلطةٍ فوق ركام، كأنهم يتصارعون على كرسي في بيت محترق.

وفي الخارج، يتعامل كثيرون مع السودان كملف، لا كبلد له روح وناس وأطفال وأحلام مؤجلة.

في نشرات الأخبار، تُختصر الخرطوم إلى اسم في سطرين، بين خبر عن البورصة وخبر عن مباراة كرة قدم.

لكن السودان ليست “حدثاً”، السودان الان “حياة تُدفن على جرعات” كل تأجيل لوقف النزيف هو حكم بالإعدام على كل مريض ينتظر جرعة دواء، بل الأصعب والامر هو الحكم بالإعدام على كل حي يموت خوفا كل دقيقة من صوت الرصاص ومن انهيار المباني المقصوفة بالمدافع ومن موت الأحباب والأصحاب

حين تبحث المدينة عن قلبها

السودان اليوم كجسدٍ ما زال يمشي، لكن قلبه مفقود.

قلب كان في ضحكة الطلاب على الكباري، في ازدحام المواصلات وقت الذروة، في رائحة القهوة عند الصباح، في الجدال بصوت عالٍ عن الكرة والسياسة والسوق، ثم التصالح في آخر الجلسة.

هذا القلب الآن موزّع:

  • جزء منه في مخيم نزوح عند أطراف البلاد.
  • جزء منه عالق في الطوابير الطويلة أمام مراكز الإغاثة.
  • جزء منه في غربة باردة، يراقب الخرطوم من شاشة هاتف لا يغلق الأخبار.
  • جزء منه مدفون تحت ركام لم يُرفع بعد.

ومع ذلك، المدينة تبحث عن قلبها تبحث عنه في الأغاني القديمة التي ما زال البعض يشغّلها كي ينسى أصوات المدافع.

تبحث عنه في رسائل “اطمّنوا علينا، نحن بخير” حتى لو لم يكونوا بخير تماماً.

تبحث عنه في دعاء أمٍّ مبحوحة الصوت، تقول: “يا رب، احفظ السودان ولو على حساب عمري أنا”

السودان… وعدٌ مؤجل لا موتٌ نهائي

المدن التي عبرت مثل هذه المحن في التاريخ، عادت يومًا ما لتنفض غبارها لكن الفكرة ليست في “قدرة المدينة على التعافي”، بل في:

  • كم روحاً سنفقد حتى تصل إلى تلك اللحظة؟
  • كم طفلاً سيفقد معنى الطفولة قبل أن تعود الأرجوحات للدوران؟
  • كم بيتًا سيدفع ثمن صراعاتٍ لا يفهمها؟

السودان اليوم لا تحتاج فقط إلى وقف إطلاق نار بل:

– إلى من يعيد لها قلبها

-إلى عدالةٍ تنصف المظلوم.

-وإلى مصالحةٍ لا تُبنى على النسيان، بل على الاعتراف والإنصاف.

-وإلى ضمير عالمي يعترف أن حياة السوداني لا تقلّ عن حياة أي إنسان على هذا الكوكب.

-إلى ذلك الحين، ستظل السودان تمشي وهي تضع يدها على صدرها، تتحسس الفراغ، وتهمس: “قلبي هنا… في مكانٍ ما بين النيلين، في بيتٍ لم يُهدم بعد، في طفلٍ لم يفقد ضحكته… وسأعود”

 

السفير د. أحمد سمير

عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة

السفير الأممي للشراكة المجتمعية

رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية

 

زر الذهاب إلى الأعلى