يوميات وطن ينزف (4)..الذهب الذي أشعل النار في السودان

بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير
كان “آدم” شابًا في الخامسة والعشرين من عمره، من قرية صغيرة على أطراف دارفور
لم يكن يحلم بثروة، ولا بسيارة فارهة، ولا بسفرٍ بعيد.
كان يريد فقط أن يبني غرفة إضافية لوالدته، ويشتري مضخة مياه صغيرة تعفيهم من مشقة الجلب اليومي من البئر.
حين سمع عن “اكتشاف كبير” في أحد المناجم القريبة، قال لأمه وهو يبتسم:
“شهرين فقط… وأرجع نغيّر حالنا”
حمل أدوات بسيطة، وبعض الطعام، وذهب بعد أسابيع، عاد اسمه فقط قيل إن اشتباكًا وقع بين مجموعتين تتنازعان السيطرة على الموقع وقيل إن الذهب كان أثقل من أن يسمح للناس بالمغادرة أحياء.
أمه لم ترَ المنجم يومًا، لكنها صارت تكره لونه لم تعد ترى فيه معدنًا لامعًا، بل ترى فيه وجه ابنها حين خرج ولم يعد.
مناجم الدم واللعنة المتجددة
لذا لم تكن الحرب في السودان خلافًا سياسيًا عابرًا، ولا معركة على كراسٍ تتبدّل أسماؤها كانت حربًا على شيء أعمق… على ما تحت التراب على المعدن الذي تحوّلت بسببه الأرض الطيبة إلى منجمٍ للدم.
في السودان، الذهب لم يكن ثروة خالصة؛ كان لعنة متجددة كلما اكتشف الناس منجمًا جديدًا، اكتشفت الحرب سببًا إضافيًا للتمدد.
هذا البلد الشاسع، الذي كان يمكن أن يصبح واحدًا من أغنى الدول الإفريقية، صار فقيرًا لأن ما في جوفه أغنى مما فوقه.
الذهب الذي كان من المفترض أن يبني المدارس والمستشفيات والطرق، صار الوقود الذي يشعل البنادق والصفقات والولاءات.
صار سلطةً بديلة، ونظامًا موازيًا، وخريطة نفوذ تُرسم بعيدًا عن مؤسسات الدولة.
حين يتحول التراب إلى خزنة… والخزنة إلى ساحة قتال
الذهب في السودان ليس مجرد مورد اقتصادي هو شبكة معقدة من المصالح، تبدأ من حفرةٍ ضيقة في صحراء بعيدة، وتمتد حتى مكاتب القرار، مرورًا بالتجار، والوسطاء، والمجموعات المسلحة التي تحرس، وتلك التي تسيطر، وتلك التي تنتزع بالقوة.
في بعض مناطق التعدين، لم يعد الناس يحفرون الأرض بحثًا عن أمل، بل يحفرون قبورًا مفتوحة لكل من يقترب من خطوط النفوذ.
فالمناجم تحوّلت إلى نقاط اشتباك والممرات الصحراوية صارت طرقًا محروسة بقوة السلاح والقرى الصغيرة أصبحت محطات عبور لتهريب المعدن الأصفر نحو الحدود.
كل كيلوغرام يخرج من باطن الأرض، يترك خلفه أثرًا لا يُرى في التقارير المالية:
أثرًا في جسدٍ سقط، وفي أمٍّ تنتظر، وفي خريطةٍ سياسية تتشقق.
الذهب صار كأنه “جمهورية مستقلة” داخل السودان، يحكمها من يحمل السلاح، لا من يملك الشرعية.
رجال يبحثون عن الثروة… ونساء يبحثن عن أبنائهن
في مناطق كثيرة، كان التنقيب هو الأمل الأخير لبسطاء أنهكهم الفقر شاب يدخل المنجم ليعود بقليل من المال… أو لا يعود.
خبر عن عرقٍ ذهبي جديد يكفي ليدفع عشرات الشبان إلى المخاطرة بحياتهم لكن الطريق إلى المنجم لم يعد يحتاج إلى أدوات حفر فقط، بل إلى بندقية، أو حماية مسلحة، أو ولاءٍ لطرفٍ أقوى.
كم أسرة فقدت معيلها وشبابها لأنها صدّقت هذه الاشاعات وهذا الوعد الكاذب؟
كم شاب وجد نفسه جزءًا من تشكيل مسلح، لأنه اكتشف أن الطريق إلى الرزق يمرّ عبر فوهة سلاح؟
هناك ثروات تبني المجتمعات، إلا الذهب السوداني في صورته الحالية يرفع أفرادًا ويُخفض وطنًا بأكمله.
كيف أصبح الذهب لاعبًا سياسيًا؟
الذهب في السودان لم يعد اقتصادًا موازيًا فقط، بل قوة سياسية كاملة الأركان.
صار يمول جيوشًا، وميليشيات لها مناطق نفوذ، وتحالفات تمتد خارج الحدود وشبكات تهريب معقدة تربط المناجم بأسواق إقليمية ودولية.
سلاسل توريد غير رسمية تتجاوز الرقابة، وتُعيد توزيع الثروة بعيدًا عن الخزينة العامة.
لم يعد السؤال البسيط: “من يحكم السودان؟”
السؤال الحقيقي أصبح: من يملك الذهب؟ من يحرسه؟ ومن يحدد مساره من باطن الأرض حتى آخر مشترٍ؟
- كل سلاح يعرف طريقه إلى منجم.
- وكل منجم يعرف طريقه إلى تاجر.
- وكل تاجر يعرف طريقه إلى طرفٍ يحتاج تمويلًا ليستمر في القتال.
وهكذا، صار الذهب عقل الحرب وقلبها في آنٍ واحد.
عقلها الذي يخطط للاستمرار، وقلبها الذي يضخ المال في شرايين الصراع.
فالسودان لا يحتاج أن يتخلص من الذهب، بل أن يستعيده.
- أن يعود معدنًا في خدمة الدولة، لا الدولة في خدمته.
- أن يتحول من وقودٍ للحرب إلى أساسٍ لإعمارٍ حقيقي.
- أن يصبح سببًا للحياة، لا عنوانًا للموت.
لأن المشكلة لم تكن يومًا في التراب… بل في الأيدي التي لم تعرف كيف تحمله دون أن تشعل به النار.
السفير د. أحمد سمير
عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة
السفير الأممي للشراكة المجتمعية
رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية








