السودانشئون عربية

يوميات وطن ينزف (5) دارفور… الأرض التي دفعت أثماناً مضاعفة

بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير

في قرية صغيرة قرب جبل عامر، كان “عبد الرحمن” مزارعًا بسيطًا لا يعرف من الذهب إلا اسمه.
أرضه كانت تكفيه قمحًا ودخنًا وبعض الماشية. حين بدأت الأخبار تنتشر عن وجود عروق ذهب تحت أرضه، لم يصدّق في البداية .قال لجاره: نحن نزرع الأرض… لا نحتاج لما في أحشائها

لكن الغرباء سبقوه قبل أن يفهم جاءت سيارات الدفع الرباعي، ثم الرجال المسلحون، ثم الحفارات وفي أسابيع قليلة، تغيّر كل شيء.
الحقول التي كانت خضراء صارت مليئة بالحفر والسوق الأسبوعي الذي كان يبيع فيه محصوله صار يعجّ بوجوه لا يعرفها.

وفي ليلة لم يسمع فيها سوى صوت الرصاص، ترك عبد الرحمن أرضه لم يحمل ذهبًا، ولا حتى محصولًا وحمل أبناءه، ومضى.

يقول الآن، وهو في مخيم نزوح بعيد: كنا فقراء… لكننا لم نكن مطاردين وحين جاء الذهب، جاء معه من يرى الأرض غنيمة لا وطنًا

دارفور، تلك الأرض التي تمتلك قدرًا هائلًا من الذهب، دفعت أثمانًا تتجاوز حدود الخيال
فلم يكن الذهب نعمةً عليها، بل فتنةً كبرى.
كلما ظهر منجم جديد، ظهر نزاع جديد وكلما اتسعت الحفرة في الصحراء، اتسع معها الشرخ في المجتمع.

في قرى كثيرة، بدأ النزاع على حفرة صغيرة، ثم تحوّل إلى تنافس على النفوذ، ثم تطوّر إلى صراع مفتوح تختلط فيه الثروة بالهوية، والقبيلة بالممرات التجارية، والسلاح بالاقتصاد.

دارفور… الفريسة المحاصرة

من الداخل، قبائل تحاول حماية مواردها المحدودة في بيئة قاسية أصلًا.
ومن الخارج، ميليشيات وجيوش تبحث عن السيطرة على الأرض وما تحتها.
وفوق الجميع، طائرات تهدم البيوت، كأن المطلوب ألا يبقى للناس ما يستحق الدفاع عنه.

دارفور التي كان يمكن أن تكون من أجمل بقاع إفريقيا، بتنوعها ومواردها، صارت كأنها صندوق أسود للحرب كلما فُتح منجم جديد، فُتح جرح جديد وكلما زاد الإنتاج، زاد النزيف.

الذهب… وجغرافيا الموت

المأساة ليست في الذهب بحد ذاته، بل في الطريق الذي يسلكه.
في الشبكات التي تنقله.
في المصالح التي تحميه.
وفي الأطراف التي تستثمر في الفوضى لأنها مربحة.

منجم صغير في دارفور قد يعيد رسم موازين القوة في مدينة بعيدة وشحنة تُهرّب ليلًا عبر الحدود قد تتحول إلى سلاح يغيّر مصير ولاية كاملة.

هكذا يصبح الذهب مثل ماءٍ ملوث يجري في شريان البلد كله.
لا تبقى منطقة بعيدة عن أثره.
ولا تبقى مدينة محصّنة من تداعياته.

كل قطعة ذهب تخرج من باطن الأرض، تحمل معها سؤالًا أخلاقيًا: هل ستبني مدرسة… أم ستموّل بندقية؟

حين يصبح الفقر حارسًا للثروة

أقسى المفارقات أن أكبر ثروات البلاد تقع فوق أفقر قراها.
القرى التي لا ماء فيها ولا مستشفى ولا مدرسة، هي نفسها التي تمرّ منها شاحنات محملة بالذهب.

الرجال الذين يحرسون المناجم لا يملكون ثمن الدواء والشبان الذين يعملون في حفر عميقة تحت حرارة خانقة، لا يعرفون إن كانوا سيخرجون سالمين.

يشاهدون الذهب يمر أمام أعينهم، كما تمرّ الحياة أمام رجل يحتضر.
يقتربون منه… ولا يملكونه.
يحفرون له… ولا يستفيدون منه.

كأن السودان بلد تعدين كبير، يصدر الذهب إلى العالم، لكنه لا يستورد كرامةً لأبنائه.

الذهب كرسالة للغد: نعمة أم لعنة؟

الذهب ليس قدرًا أسود، بل يمكن أن يكون بداية جديدة، لو أُدير بعدل وشفافية، ولو تحوّل من اقتصاد حرب إلى اقتصاد وطني يخضع للمؤسسات.

لكن ذلك يحتاج إلى ما هو أعمق من المناجم: يحتاج إلى دولة قوية لا ترتبك أمام نفوذ السلاح وإلى قانون لا ينحاز لقبيلة ولا يخضع لميليشيا وإلى مؤسسات قادرة على تنظيم التعدين، ومراقبة التصدير، وضبط العوائد.
ويلزم لكل هذا عقد اجتماعي يعترف بأن السودان بلد غني، ولا يحق لأحد أن يقتله باسم الجوع.

السودانيون لا يريدون أن يُدفن أبناؤهم تحت الرمال كي يزداد تجار الحرب ثراءً يريدون فقط أن يكون الذهب جسرًا نحو الحياة، لا نفقًا نحو المقابر.

ما بين الذهب والدم… وطن ينتظر الحكمة

السودان اليوم يقف عند مفترق أخلاقي قبل أن يكون اقتصاديًا إما أن يبقى الذهب وقودًا لحرب لا تنتهي، أو يتحول إلى قاعدة لإعادة بناء ما تهدّم: مدن انهارت، بيوت تشققت، عائلات تفرقت.

السؤال الحقيقي ليس: كم نملك من الذهب؟
بل: كم نملك من الضمير لنفصل الذهب عن الدم؟

فالثروات في ذاتها ليست لعنة اللّعنة حين تُدار بلا عدل وحين تتحول إلى غنيمة بدل أن تكون أمانة.

ورغم كل ما حدث، ما زالت دارفور تمتلك فرصة أن تستعيد أرضها كأرض زراعة وحياة، لا كساحة صراع.

السفير د. أحمد سمير

عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة

السفير الأممي للشراكة المجتمعية

رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى