يوميات وطن ينزف (6) الحرب التي كسرت البيت السوداني

بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير
مع بداية شهر مارس 2026 أبرزت هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) ومنظمة الصحة العالمية على دخول النزاع في السودان يومه الـ 1000، واصفة إياه بأنه “أسوأ أزمة صحية وإنسانية في العالم” مع حاجة 21 مليون شخص للغذاء بشكل عاجل
مما يؤكد أن هناك حروب تُدار في الجبهات، وحروب تُدار في غرف الأخبار، وحروب تُدار على الطاولة بين القادة.
لكن الحرب التي عرفها السودانيون خلال الـ 1000 يوم لم يدفع ثمنها إلا مكان واحد.
حرباً تقتحم البيوت قبل أن تقتحم المدن، وتكسر العائلة قبل أن تكسر الجدران، وتعيد تشكيل المجتمع كما يشتهي السلاح لا كما يريد الناس.
لم تعد المأساة في السودان تقاس بالحدود التي يسيطر عليها هذا الطرف أو ذاك، بل بالبيوت التي تشققت من الداخل، وبالعائلات التي استيقظت لتجد نفسها جزءاً من صراع لم تختره، ومرآة لحزن لم تصوغه بيدها.
حين ينهار البيت… ولا ينهار الحب
البيت السوداني كان دائماً أكبر من سقف وجدران كان دائرة واسعة تتسع:
للأقارب، والجيران، وأصدقاء الطفولة، وحتى للغريب العابر.
ثم جاءت الحرب، فبدأت الدائرة تضيق والبيت السوداني يهدم جدار جدار وفردا فردا
ليس الأمر أن الناس تغيّروا لكن المكان هو الذي انكسر، فكسَر معه الروابط التي كانت تُمسك بهم.
فالحروب لا تحتاج إلى صاروخ كي تدمّر بيتاً، يكفيها الخوف.
والخوف في السودان فعل ما لم يفعله السلاح: فتح الشقوق في العلاقات
وزرع الشك بين القريب والقريب وأعاد تعريف كلمة “أهل” حتى صار السؤال غير المعلن: مع من تقف؟
وأي طريق اخترت؟
ومع ذلك، ظلّ شيء صغير يقاوم:
- الحب الذي لا يريد أن يتحول إلى ساحة معركة.
- الأم التي تدعو لأبنائها جميعًا دون تمييز.
- الأب الذي يرفض أن يكره قريبًا لأنه في جهة مختلفة.
البيت قد يتصدع، لكن جذوره في القلوب تبقى تحاول النجاة.
نزوح لا يشبه أي نزوح
في بلدان كثيرة، حين تنشب الحرب، ينزح الناس من مدينة إلى أخرى، أو من قرية إلى مدينة.
أما في السودان، فالنزوح أخذ شكلاً آخر:
نزوح عائلة عن عائلة.
نزوح أخ يترك أخاه لا اختلافاً في الحب، بل اختلافاً في جهة النجاة.
نزوح أم ترسل أبناءها مع جيرانها لأنها لا تملك القدرة على حمايتهم جميعاً.
نزوح أب يقود أسرته في الليل، ويقسمهم على ثلاث سيارات حتى لا يقتلهم صاروخ واحد.
فنزوح الجسد مؤلم، لكن نزوح الروح أشدّ.
أمٌّ تقف بين طرفين
أم سودانية، في الخمسينات من عمرها، تملك قلباً أكبر من الحرب نفسها
اثنان من أبنائها التحقا بطرفين مختلفين، لا لأنهما يكرهان بعضهما، بل لأن الفوضى سحبت كل واحد منهما إلى مصير منفصل.
تستيقظ كل يوم تدعو أن يكون كليهما بخير، ولا تجرؤ على الدعاء بانتصار أحدهما على الآخر.
هذا البيت لم يهدمه القصف، بل هدمه أن أبناءه صاروا يقفون في جهتين من نفس المأساة.
وهذا ما فعلته الحرب بالسودانيين: جعلت الحب قتيلاً محتملًا، والعائلة مشروع فراق دائم.
ما الذي تبقّى؟
رغم كل شيء، لم ينتهِ البيت السوداني.
قد يكون تشتت، وقد يكون صمت طويل حلّ مكان الضجيج القديم، لكن الروابط لم تمت.
لا تزال هناك أم تنتظر.
وأب يحاول أن يجمع أبناءه حول مائدة واحدة، ولو عبر الهاتف.
وأخ يرسل رسالة لأخيه المختلف معه: “المهم أنك بخير”
ربما تكون الحرب قد كسرت الجدران، لكنها لم تستطع أن تلغي الحاجة العميقة للناس إلى بعضهم.
السودان اليوم لا يحتاج فقط إلى وقف إطلاق نار، بل إلى ترميمٍ لما انكسر في الداخل.
إلى مصالحة تبدأ من البيوت قبل أن تصل إلى القاعات الكبرى.
إلى لغة جديدة تقول: نحن اختلفنا… لكننا لم نفقد بعضنا.
هي جرح طويل، نعم، لكن البيت الذي تعلّم أن يتسع للجميع، قادر إن أُعطي فرصة أن يتسع مرة أخرى بهدوء… ودون ضجيج… كما كان دائمًا.
السفير د. أحمد سمير
عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة
السفير الأممي للشراكة المجتمعية
رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية









