السودانتقارير وتحقيقاتشئون عربية

يوم الجمعة فى السودان.. موروثات دينية واجتماعية متفردة

 

 

كتبت – د. هيام الإبس

 

يوم الجمعة في السودان ليس يوماً عاديًا، بل هو يوم تتداخل فيه العادات الدينية والاجتماعية والثقافية في لوحة واحدة.

فمنذ الصباح الباكر تبدأ الأسر السودانية استعداداتها لهذا اليوم المميز الذي يُنظر إليه باعتباره “عيد الأسبوع”. ويختلف إيقاع الحياة فيه عن بقية الأيام، حيث تتوقف الأعمال والمصالح، وتتحول البيوت والشوارع إلى فضاءات عامرة باللقاءات.

 

 

تُحضر ربات المنازل وجبات تقليدية خاصة، بينما يستعد الرجال لأداء صلاة الجمعة بارتداء الزي السوداني التقليدي. ويحتفل رجال الطرق الصوفية بهذا اليوم على طريقتهم الخاصة، من خلال إقامة حلقات الذكر والإنشاد الديني.

 

 

المائدة السودانية

 

من أبرز ملامح الجمعة في السودان المائدة العامرة بالأطباق التقليدية، حيث تعتبر العصيدة بمختلف أنواع الإدام، والمعروف محليًا بـ “المُلاح” مثل الروب والتقلية، فيما تقدم أيضًا الكسرة والقراصة من ضمن أساسيات وجبات هذا اليوم، حسب المنطقة التي تنحدر منها الأسرة.

وتتسابق الأمهات لإعداد هذه الوجبات التي تجمع أفراد الأسرة كبارًا وصغارًا بعد أسبوع من الانشغال بأعمال الحياة.

ولا يكتمل الطابع الاجتماعي ليوم الجمعة إلا بإعداد الشاي أو القهوة بعد الغداء، وغالبًا ما تصحبها جلسة حوارية عائلية. وتُحضر القهوة في أوانٍ خاصة وتقدم مع البخور، حتى في الهواء الطلق.

أما في مساء الجمعة فيقدم الشاي بالحليب مع الزلابية السودانية، والتي تتميز بكبر حجمها وتكون مزينة بالسكر الناعم، فيما يُعرف محليًا بـ “شاي المغرب”.

 

 

يوم للزيارات والمناسبات

 

يُعرف الجمعة بأنه اليوم العائلي بامتياز، إذ يحرص السودانيون فيه على زيارة الأقارب وتجديد صلة الرحم. وغالبًا ما تتحول هذه الزيارات إلى لقاءات اجتماعية مصغرة يشارك فيها أكثر من جيل.

 

وتعتاد بعض الأسر الاجتماع دورياً في “البيت الكبير” حيث يجتمع الأبناء والأحفاد حول الجد أو “الحبوبة”، وهو لقب محبب يُطلق على الجدة في السودان.

كما يُعتبر الجمعة توقيتاً مثاليًا لإقامة المناسبات الاجتماعية، وعلى رأسها عقود القران التي تتم عقب صلاة الجمعة مباشرة، فيتحول المسجد إلى ساحة فرح.

إلى جانب ذلك، يستغل الشباب والأسر عطلة الجمعة للقيام برحلات ترفيهية إلى ضفاف النيل أو الحدائق العامة، وفي بعض المناطق بالأرياف يتوجه السكان إلى الأسواق الأسبوعية.

 

البعد الديني والروحاني

 

يرتبط يوم الجمعة في السودان بالطابع الديني. إذ يحرص الرجال على ارتداء الجلابية مع الشال والطاقية عند التوجه إلى المساجد، بينما ترتدي النساء أجمل أثوابهن في الزيارات أو عند استقبال الضيوف.

هذا الطابع الرسمي–الديني في الملبس يعكس احترام السودانيين لخصوصية اليوم ويمنحه لمسة من الوقار والهيبة.

وتلعب الطرق الصوفية دوراً بارزًا في إحياء هذا اليوم، من خلال إقامة “الحضرات” أو “النوبة” عصر الجمعة، حيث يجتمع المريدون في حلقات ذكر وإنشاد بأزيائهم المميزة والتي تتكون من الجلابية الخضراء، في مشهد يمنح اليوم بعداً روحانيًا عميقاً ويعكس مكانة التصوف في المجتمع السوداني.

 

وتزداد قدسية يوم الجمعة في شهر رمضان، ولا سيما الجمعة الأخيرة من الشهر الفضيل، حيث تقام عادة  “الرحمتات” وهي عادة اجتماعية–دينية يجتمع فيها الأهالي لتوزيع الطعام صدقةً عن أرواح الموتى من ذويهم.

 

ويظل يوم الجمعة في السودان أكثر من مجرد عطلة أسبوعية؛ فهو حالة اجتماعية وروحانية متكاملة تجمع بين دفء الأسرة وطقوس المائدة، بين روحانية الصلاة وحضرات الصوفية، والاحتفالات الاجتماعية. وهو بذلك يعكس صورة فريدة ومتكاملة للثقافة السودانية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى