الصراط المستقيم

(13) رحلة إلى أعماق الذات

كتب الدكتور/ أمين رمضان 

 

يأتي شهرُ رمضانَ كُلَّ عامٍ ليمنحَنا فٌرصَة للدخُولِ في رحلةٍ استثنائيَّةٍ؛ ليسَ إلى الموائدِ أو التجمُّعاتِ، بلْ إلى مَكانٍ أبعدَ وأعمقَ.. إلى داخلِ أنفسِنا. إنَّ الصيامَ في جوهرِه ليسَ مجرَّدَ حرمانٍ مؤقَّتٍ عنِ الطعامِ والشرابِ، بل هوَ عمليَّةُ “تجريدٍ” تسمحُ للروحِ أنْ تطفوَ فوقَ متطلباتِ الجسدِ، لِنُبْصِرَ بوضوحٍ ما يحتاجُ إلى إصلاحٍ في هويَّتِنا، لنكتشف ما نحتاج أن نتخلص منه، وما نحتاج أن نضيفه، وما نحتاج أن نطوره، لنخرج من رمضان بنسخة أفضل من هويتنا، وإرادة تستمر في تطوير الهوية حتى نهاية العمر.

يقولُ اللهُ تعالى في مُحكمِ التنزيلِ:

﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: 21].

وهذه الآيةُ هيَ دعوةٌ مفتوحةٌ للتأمُّلِ في هذا الكيانِ المٌعْجزِ، واستنكار على من لا يبصر أو يستكشف الطاقات الكامنة فيه، ففي أعماقِ كلٍّ منَّا “نظامُ تشغيلٍ” يتكوَّنُ من مجمُوعةِ المعتقداتٍ العميقة والقيمٍ الجوهرية التي تُحرِّكُ سلوكياتِنا، وهذا ما يراه الناس منا في الظاهر.

ضبطُ المعتقداتِ وبناءُ الهويَّةِ الجديدةِ

كثيرًا ما نَحملُ معتقداتٍ مُعيقَةً عن أنفسِنا، مثل: “أنا لا أستطيعُ التغييرَ” أو “أنا شخصٌ عصبيٌّ”، وتأتي تصرفاتنا متوافقة مع هذه المعتقدات، ويكون ذلك بطريقة لا واعية. يأتي الصيامُ لِيَكسِرَ هذهِ الأصنامَ النفسيَّةَ، ويدفعنا لتفعيل الوعي داخل عقولنا، والإمساك بعجلة قيادة حياتنا. فمنِ استطاعَ الامتناعَ عنِ الضرورياتِ (الأكل والشرب) لساعاتٍ طوالٍ بنجاحٍ، هوَ قطعًا قادرٌ على ضبْطِ انفعالاتِه وتغييرِ قناعاتِه. هنا تبدأُ الهويَّةُ الجديدةُ في التشكُّلِ؛ هويَّةٌ تؤمنُ بالقدرةِ على “التحكُّمِ” بدلًا من “الاستجابةِ التلقائيَّةِ” للرغباتِ.

يقولُ الشاعرُ أبو الفتح البستيُّ مُشدِّدًا على أهميَّةِ الاهتمامِ بالجوهرِ:

“أَقْبِلْ عَلَى النَّفْسِ وَاسْتَكْمِلْ فَضَائِلَهَا.. فَأَنْتَ بِالنَّفْسِ لَا بِالْجِسْمِ إِنْسَانُ”

إنَّ النجاحَ في الدنيا والفلاحَ في الآخرةِ هما ثمرتانِ لِشجرةِ “القيمِ الجوهريَّةِ”. فالمنهجُ الإسلاميُّ يضعُ قيمًا مثلَ: “الإِحسَانُ”، “الأَمَانَةُ”، و**”الصَّبْرُ”** كركائزَ أساسيَّةٍ. وعندما نعتنقُ هذهِ القيمَ ليسَ كشعاراتٍ بل كأجزاءٍ أصيلة من هويَّتِنا، يتغيَّرُ سلوكُنا في العملِ (إتقانًا)، ومع الناسِ (رحمةً)، ومع الخالقِ (إخلاصًا).

التغييرُ العميقُ

التغييرُ الحقيقيُّ المفيد هو التغيير العميق والدائم، وهو لا يحدثُ على السطحِ، بل يبدأُ منَ الداخلِ لِيظهرَ أثرُه على الجوارحِ. يقولُ الحكماءُ: *”إِذَا صَفَتِ النَّفْسُ، نَطَقَتِ الحِكْمَةُ”*ُ. والصيامُ هوَ “الفلتر” الذي يُصفِّي النفسَ من شوائبِ الأنانيَّةِ والجشعِ. لِذا، فإنَّ استدامةَ السلوكِ الحسنِ بعدَ رمضانَ تعتمدُ على مدى نجاحنا في زرعِ هذهِ القيمِ في أعماقِ ذواتِنا خلالَ الشهرِ الكريمِ.

يقولُ اللهُ سبحانَه وتعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].

وهذا هوَ قانونُ التغييرِ الكونيُّ؛ ابدأْ بالداخلِ، لتُغير الخارجُ.

 

الخُلاصةُ

رمضانُ ليسَ مجرَّدَ محطَّةٍ زمنيَّةٍ نمرُّ بها، بل هوَ “مختبرٌ نفسيٌّ” لإعادةِ بناءِ الشخصيَّةِ. الصيامُ يمنحُنا القوةَ لنقولَ “لا” لشهواتِنا، ممَّا يُعزِّزُ قِيمَ الانضباطِ والصدقِ مع الذاتِ. هذهِ القيمُ هيَ التي تصنعُ إنسانًا ناجحًا في دنيَاهُ بإنتاجِه وأخلاقِه، وفالحًا في آخرتِه برضى ربِّه، لِيخرجَ من هذا الشهرِ بهويَّةٍ جديدةٍ، تمتلكُ معتقداتٍ تُمكِّنُها من مواجهةِ تحديات الحياةِ المختلفة بثباتٍ ويقينٍ ومرونة.

 

الدكتور / أمين رمضان

13 رمضان 1447 هـ / 3 مارس  2026 م

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى