أراء وقراءات

قارون..

كتبت / عزه السيد

 

Table of Contents

قصــــة قارون من هو وأين ذهبت كنوزه :  

.كان قارون رجلًا من قوم سيدنا موسى عليه السلام ،

وكان في بدايته شخصا عاديًّا من بني إسرائيل ،

يعيش بين قــومه لا يُعرف له شأن ،

ولا يملك من الدنيا شيئًا يُذكر ..

لكن الله تعالى رزقه رزقًا واسعًا ،

وفـــتح له أبواب المال والغنى ،

حتى فاضت خزائنه بالذهب والفضة ،

وتكاثرت صناديقه حتى أصبحت مفاتيحها وحدها ،

تُثقِل كاهل الرجال الأقوياء ، فلا يستطيعون حملها ..

عاش قارون في ترفٍ وبذخٍ لا حدَّ له ،

يسكن القصـــور ، ويخدمه العبيــــد ،

وتُحيط به كل مظاهر النعم من كل جانب ..

لكنه بدل أن يشكر المنعم ،

أعماه الغنى ، واستبدَّ به الكِبر،

حتى طغى على قومه وبغى عليهم ،

فظلمهم وأخذ حقوقهم، وازداد فخرًا بنفسه ..

قال الله تعالى في كتابه الكريم :
﴿ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ، وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ ﴾

 

أي أن مفاتيح خزائنه ،

كانت تُرهق الجماعة من الرجال الأشداء ،

وتعجز قوتهــم عن حملها ، من ثِقلها وكثرتها .. !!

رأى قومه ما آل إليه من كِبرٍ وغرور ،

فنصحوه بالحكمة والرفق ، قائلين له :

 

﴿ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ، وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ، وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا، وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ، وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ، إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ

 

أي لا تبطر بمالك ، ولا تتكبر بما أوتيت ،

بل استعمل نعمة الله في الخــير ،

وتذكّر أن المال وسيلة لا غاية ..

لكن قارون ازداد عُتوًّا وقال في كبرياءٍ أعمى :

 

                  ﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي ﴾

 

أي نلت هذا المال بجهدي وذكائي وحيلتي ،

ليس بفضل ولا منة من الله ..

فأنكر مصدر النعمة ، وكفر بالمنعم .. !!

ثم خرج قارون ذات يوم على قومه ،

في موكبٍ عظيم ، تحيط به المراكب الفاخرة ،

والملابــس الفاخرة المطرزة بالذهب ،

تتقدمه صفــوف الخدم والجنود ،

وتتبعه أنغام الطبول والأبواق .

كان مشهدًا مهيبًا مدهشًا أبهر الأبصار،

حتى قال ضعفاء القلوب من قومه :

 

﴿ يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ، إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾

لكن العلماء وأهل البصيرة ردّوا عليهم بقولهم :

﴿ وَيْلَكُمْ، ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا، وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُون ﴾

أي أن : ما عند الله خير وأبقى من زينةٍ الزائلة ،

وأن الصبر والإيمان خير من كنوز الدنيا ..

بلغ الغرور بقارون ،

أن تجرّأ على نبي الله موسى عليه السلام ،

وراح يُكذّبه ، ويزعم أنه أفضل منه بماله .. !!

فبدأت الأرض تبتلع قارون وداره وكنوزه شيئًا فشيئًا ،

وهو يصـــيح ، ويستغيث ، فلا يُجاب ..

حتى غاب هو وأمواله في جوف الأرض ،

كما قال الله تعالى :
﴿ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ، فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِين ﴾

حين رأى الناس ما جرى ،

أدركوا أن الثراء ليس دليل رضا الله ،

وأن المال بلا شكرٍ ولا حمد يكون فتنةً وهلاكًا ..

فقال الذين تمنّوا مكانه بالأمس :

﴿ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ، لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا ﴾

فعرفـــوا ..

أن ما عند الله خير وأبقى ،وأن الكبرياء سبب الهلاك ،

كما أهلك الله قارون وماله وداره ونفسه ..

وهكذا طُويت صفحة رجلٍ ،

كان يومًا من أغــنى أهل الأرض ،

ثم صار عبرةً للأغنياء والمتكبرين في كل زمان ،

وبقيت قصته تذكيرًا ،

بأن الغنى لا يرفع من شأن صاحبه ،

إذا خلى من الشكر والتواضـع ،

وأن الله يمهل ولا يهمل .

اسرار حقأئق الدنيا

المصدر كتاب البدايه والنهايه لابن كثير تفسير القصص ..الانبياء

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى