الصراط المستقيم

نار حضرموت..

كتبت / عزه السيد

 

في آخر لحظة من عمر هذه الدنيا، حين لا يبقى في الأرض إلا أشرار الخلق — الذين لا يصلّون، ولا يزكّون، ولا يعرفون من دينهم شيئًا، وقد خلت الأرض من المؤمنين بعد أن قبضتهم الريح الطيّبة — وهدمت الكعبة ولم يبقى الى الأرض الى شرار الخلق

في تلك اللحظة يُطلِق الله تعالى آيةً نهائية، حارقةً، لا تُبقي ولا تذر: نارًا من حضرموت ( من اليمن ) تخرج من بطن الأرض كأنها تنفُّسٌ من غضب السماء، لتكون آخرَ داعٍ إلى المحشر.

لم تكن هذه النار كأيّ نارٍ عرفها البشر؛ إنها نارٌ حيّة، عاقلة، ذات إرادةٍ من عند الله، تُطاع أمرًا، لا تُعصى. تبدأ من أرض حضرموت ذلك الموضع الذي أشار إليه النبي محمد ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في «صحيحه» عن حذيفة بن أسيد الغفاري رضي الله عنه قال النبي ﷺ:

«لن تقوم الساعة حتى تروا قبلها عشر آيات… وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم».

وفي حديث أخر

«… وآخر ذلك نار تخرج من قعرة عدن ترحل الناس.»

وفي روايةٍ عند الترمذي، وصحّحها الألباني، أن النبي ﷺ قال:
«تَخرُجُ نارٌ من مَأْربَ — أو من حَضْرَمَوتَ — فَتَسُوقُ الناسَ إلى المَحشَر».

من أقوال العلماء والمحدثين أن النبي ﷺ أخبر أيضًا بأن النار ستخرج من حضرموت أو من جهة بحر حضرموت في اليمن لتُحشر الناس. وقد اعتُبرها بعض العلماء صحيحة.

وقد اختار الله حضرموت — أو مأرب، على اختلاف الروايات — لحكمةٍ بالغة؛ فقد كانت تلك الأراضي يومًا منارات علمٍ وإيمان، فلما انقلب أهلها على أعقابهم، وانطفأ فيها نور الهدى، صار مخرج النار منها إشارةً إلى انقلاب النعمة إلى نقمة، والبركة إلى بلاء.

تخيّل المشهد كما لو أن عينيك تريان:

السماءُ مظلمة، لا نجومَ تُبصِر، ولا قمرَ يُنير. الأرضُ جرداء، لا زرعَ فيها، ولا مطرَ ينزل. لا صوتَ إلا صرير الرياح العقيمة، ولا حياةَ إلا في جماعاتٍ من البشر يسيرون بلا هدف، يقتلون بلا سبب، يشربون الخمر، ويلعبون على الطرقات كأنهم بهائم لا عقل لهم. قد نُزعت منهم الرحمة، وقطعت عنهم الصلة بالسماء. لا أحد منهم يدعو، ولا أحد منهم يخشى.

وفجأةً، من جهة الجنوب، من أعماق وادي حضرموت، حيث كانت الجنان تُزرع، والمساجد تُبنى، والعلماء يُعلّمون — تشقّ الأرضُ شقًّا عظيمًا، كأنها تصرخ من ألمٍ دفين. ثم تنبعث منها لهبٌ أحمرُ متوهّج، لا دخانَ فوقه، بل نورٌ يحترق، كأنه غضبٌ متجسّد. ترتفع تلك النار كجبلٍ من نار، ثم تمتدّ كالسيل، لا تعرف رحمةً، ولا تعرف استثناءً.

يسمع الناسُ دويّها من مشارق الأرض ومغاربها، فيفزعون كأن في قلوبهم ذرةٌ من إحساس — لكن لا توبةَ بعد اليوم، فقد أُغلق الباب. تبدأ النارُ بالزحف، لا تأكل، بل تسوق تسير خلف الناس كراعٍ قاسٍ لا يعرف رأفة، تحرّكهم بلهيبها، فلا يستطيع أحدٌ التأخّر أو التملص. من حاول الهرب إلى الجبال، أدركته. ومن اختبأ في الكهوف، أخرجته. ومن ركض في الصحاري، أدركه اللهب.

وكلما اقتربت من إنسان، اشتدّ رعبه، حتى إنهم ليصرخون من الرعب قبل أن تمسّهم. لا يسألون: «إلى أين؟» لأنهم يعرفون. يعرفون أن المحشر آتٍ، وأن العرض على الله لا مفرّ منه. تدفعهم تلك النار دفعًا، حتى يجتمعوا جميعًا — بلا استثناء — في أرض المحشر، وهي أرضٌ واسعةٌ في الشام، كما ذكر جماعة من أهل العلم كالحافظ ابن كثير والسيوطي، مستندين إلى ما رواه ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:
«يُحشَر الناسُ إلى أرضٍ بيضاءَ عفراءَ، كقرص النقيّ، ليس فيها معلمٌ لأحد».

وفي طريقهم إلى المحشر، لا ينامون، ولا يأكلون، ولا يشربون. وجوههم مغبرّة، قلوبهم مذعورة، أعينهم شاخصةٌ إلى الأمام، لا يلتفتون خلفهم، لأنهم يسمعون زمجرة النار خلف ظهورهم، كأنها تنفُسُ وراءهم.

وقد ذكر ابن حجر في «فتح الباري» أن هذه النار لا تُحرق الناس قبل المحشر، بل تُساقهم لتحشرهم، ثم تُطفأ بأمر الله . ثم ينفخ اسرافيل في القرن فيُصعق مت في سماوات والأرض ويهلك كل مخلوق إلى هو سبحانه كما سنبين فؤ منشوراتنا القادمة

أما عذاب النار الحقيقي، فلا يُنزل إلا بعد المحاكمة، حين يُقال: «انْطَلِقُوا إِلَىٰ مَا كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ».

في ذلك اليوم، لا مالَ ينفع، ولا ولدَ يُغني، ولا سلطانَ ينجي. كلُّ شيءٍ هالكٌ إلا وجهه. وقد صار الناسُ أوزارًا على ظهورهم، وسيوفًا على رقابهم، وكتابًا بين أيديهم.

فيا من تقرأ هذا، وأنت لا تزال في زمنٍ يُرفع فيه الأذان، ويُتلى فيه القرآن، وتُبنى فيه المساجد، ويُسمَع فيه ذكر الله — اعلم أنك على مشارف نهايةٍ لا تُدرك إلا حين يفوت الأوان.

ولا تحتفظ بهذا البيان في صدرك، بل انقله إلى من تحب، كأنك تُوقظ نائمًا قبل أن يُغلق الباب. فربّ كلمةٍ تُحيي قلبًا، وربّ تذكيرٍ يردّ عبدًا إلى ربه.

فالمؤمن لا يحبّ أن يكون وحده في النجاة، بل يحبّ أن يشترك معه في الخير كلّ من عرفه. فبلّغ، ولو كانت الكلمة واحدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى