أخبار العالمأراء وقراءاتاحدث الاخبار

ترامب وامنية الاستيلاء على جزيرة جرينلاند….. ما قصتها؟

متابعة/ هاني حسبو.

ترامب عرض علي الدنمارك شراء قطعة من أرضها، لكن رئيسة الوزراء رفضت مناقشة الموضوع، فتصرف ترامب بمنطقه الطفولي المعتاد، وألغي لقاءً مقررًا بينهما في 2 سبتمبر المقبل..لكن طلب ترامب بشراء جزيرة جرينلاند التي تبلغ مساحتها 2,2 مليون كم² من دولة أخري، لم يكن طفوليًا أبدًا.

جرينلاند كانت جزءً من مملكة الدنمارك منذ القرن ال 18، وفي أواسط القرن ال 20 سقطت الدنمارك في يد النازيين، الذين بدورهم سعوا لبسط سيطرتهم علي تلك الجزيرة القطبية، لكن السفير الدنماركي في واشنطن تجاهل طلب حكومته المعيّنة من النازي، ومنح الولايات المتحدة حق السيطرة علي الجزيرة، وبالفعل وصلتها طلائع القوات الأميركية عام 1941..انتهت الحرب العالمية الثانية، لكن أهمية جرينلاند بقت حاضرة في ذهن المخططين العسكريين الأميركيين، لأن الجزيرة يُمكن استخدامها كمحط هبوط وإقلاع للقاذفات بعيدة المدي، والتي بمقدورها قطع الطريق إلي السماء السوفياتية في مدة وجيزة، القنصلية الأميركية في نووك عاصمة جرينلاند أرسلت للإدارة الاميركية خطابًا من 3 كلمات..نحن نريد ثوول..لكن واشنطن رغبت في إنهاء الأمر بشكل جذري..لم نبني قاعدة عسكرية بينما يمكننا التقدم بطلب لشراء الجزيرة من الدنمارك؟ والأخيرة رفضت التفريط بها، فما كان من الطرفين إلا أن وقّعا معاهدة عام 1948 وبموجبها أرسلت الولايات المتحدة 120 سفينة و12 ألف رجل و300 ألف طن من المعدات من فيرجينيا لبناء القاعدة الجويّة في ثوول، وفي 10 سنوات فقط كان هناك 20 ألف مدني يقطنون الجزيرة ويقابلهم 6800 جندي أميركي مدعومين بسربين من قاذفات B-36 الإستراتيجية.

الحرب الباردة انتهت..والقاعدة العسكرية الأميركية بلغت سعتها القصوي ب 10 آلاف جندي..وجب الآن تخفيض عددهم وصرف الإنتباه الأميركي عن الجزيرة؟ لا..الإهتمام تضاعف..لماذا؟..الإجابة علي الدوام هي القطب الشمالي..هناك 5 دول مطلة علي القطب الشمالي بصورة مباشرة ‘‘أميركا، روسيا، كندا، النرويج والدنمارك‘‘..والخمسة جمعوا أنفسهم تحت مظلة مجموعة تُعرف باسم الخمسة القطبيين، يتقابلون بصفة دورية ويتفقون علي المسائل الخلافية..وما الذي يجعل الخمسة أصلًا يهتمون بالقطب الشمالي؟ احتياطي الثروات العملاق، والمقدّر ب 1669 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي و44 مليار من سوائل الغاز و90 مليار برميل بترول..وهل اتفقوا؟ لا..كل لديه استراتيجيته الخاصة، وفي المقدمة يأتي الروس الأكثر نفوذًا ب 43 حقل نفط مكتشف في القطب الشمالي، فضًلا عن مليونين من سكانهم القاطنين علي سواحله، مقابل نصف العدد لباقي الدول الأربع مجتمعة، وفوق ما سبق، الإستثمار العسكري الروسي للدفاع عن تلك المصالح وتوسيعها.

موسكو أنشأت القيادة الإستراتيجية الشمالية المشتركة للإشراف علي التنسيق العسكري في القطب الشمالي بين الوحدات الثلاث التي كان تدير عملياته سابقًا، ومن أجل ذلك أسّست فرقة عسكرية قطبية شمالية من فرقة البنادق الآلية، وتتمركز في ألاكورتي قرب الحدود الفنلندية، وتوسعت في إقامة قواعد علي جزر سيبيريا الجديدة، ورانجل وكيب شميدت، وتبني 10 محطات للرادار، وستقوم بتركيب صواريخ S-400 علي أرخبيل نوفايا زيلميا وميناء تيكسي..ليست روسيا فحسب من يهتم بشدة بالقطب الشمالي..الصين أيضًا..وهنا التساؤل الأساسي..الصين ليست دولة مشاطئة للقطب الشمالي..بأي صفة ترغب في المجيء وأي مصالح تدافع عنها هناك؟..صحيح..لكن بالتعبير العامي ‘‘هو كده‘‘..الصين قوة عظمي وستحشر أنفها في كل رقعة يتبدّي لها فيها مصالح إقتصادية ولن تعدم إيجاد المسوغ القانوني..في البداية انضمت بصفة مراقب إلي المجلس القطبي والذي يضم الخمس دول السابق ذكرها فضلًا عن السويد، فنلندا وأيسلندا..صفة المراقب ليست كافية.

الصين أطلقت علي نفسها لقب Near Arctic State..يعني أنا دولة جوار للروس والأمريكان، ولي مصالح لا بد من مراعاتها..دولة جوار ليس بالأمر الكافي أيضًا..الصين سوف تبني حضورها ببطء، وبوسيلتها المفضّلة ‘‘الإستثمارات‘‘..جرينلاند حصلت علي وضع الحكم الذاتي عام 2009 تحت غطاء المملكة الدنماركية، وسعيًا لتوسيع مواردها، ذهب رئيس وزراءها كيم كيلسين إلي الصين بدعوة رسمية، وبكين ضخّت استثمارات في مناجم التعدين في جرينلاند واستحوذت علي 12% من شركة جي.إم.إيه المسئولة عن التنقيب محليًا في الجزيرة، ثم طورّت الصين حضورها وكانت مستعدة لتوسيع المطار الرئيس وبناء إثنين آخرين علي الجزيرة، لكن الدنمارك صرخت تلك المرة حرفيًا، اعتراضًا علي النفوذ الصيني المتنامي وذهبت هي لتطوير الميناء الجوي في الجزيرة، والإنتباه الدنماركي دفع أيسلندا والنرويج لإلغاء مشاريع مشتركة مع الصين..لكن الصين لن تتوقف عن المراوغة..وهنا يظهر مشروع الحزام والطريق أو ما يُعرف شعبيًا بطريق الحرير الجديد، والذي تُخصص له الصين استثمارات بقيمة 900 مليار $ لربط آسيا وإفريقيا وأوروبا بشبكة خطوط برية وبحرية تخدم شركات الشحن وخطوط التجارة الصينية.

في يناير 2018 طرحت الصين ورقة بيضاء عن مصالحها الإستراتيجية القطبية، ومنها تبلور امتدادًا جديدًا لمشروع الحزام والطريق..ليس طريقًا بريًا أو بحريًا تلك المرة..أسمته الصين ‘‘طريق الحرير القطبي‘‘..الصين تسعي لتقليص المدة التي تستغرقها سفن الشحن عبر استخدامها طريقًا أقصر وهو ‘‘الممر القطبي الشمالي‘‘ والذي يوفر مثلًا في حال سفينة تتجه من شنجهاي إلي ميناء روتردام الهولندي 30% من الوقت، عما إذا استخدمت قناة السويس..مشروع صيني عملاق بالتأكيد، لكن تحدياته أكثر عملقةّ، لأنه يستلزم توافر كاسحات جليد مرافقة للسفن، فضلًا عن تأثره بالأحوال الجوية في الشتاء..لكن الصين تنظر للمدي البعيد، مع التغير المناخي الحاد وذوبان كميات أكثر من الجليد، وبالتالي انفتاح الممر بصورة أكبر، فضلًا عن الإستثمار بكثافة في تطوير كاسحات الجليد، وبالتالي تسعي لتوكيد حضورها في الممر الشمالي، بجوار القوتين الرئيسيتين، روسيا ثم كندا..ومن هنا يُفهم سعي ترامب لتجديد الحلم الأميركي بشراء جرينلاند القطبية..لموازنة الوجود الروسي والسعي الصيني المتنامي وبدرجة أقل كندا التي تحكمها خلافات مع واشنطن حول اعتبار الممر الملاحي أرضًا داخلية..لكن الدنمارك ترفض بشدة، لأن جرينلاند هي امتدادها القطبي الأوحد، وهي السبب الأول والأخير لكي تجلس دولة صغيرة السكان والمساحة مثلها علي طاولة مفاوضات واحدة تضم العمالقة، أميركا وروسيا والصين.

مختارة من حساب “عبده فايد “على فيسبوك.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى