مجلس ترامب للسلام.. هل يكون بداية النهاية للأمم المتحدة

في عالم يزداد اضطرابًا وتتصاعد فيه النزاعات، خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتصريح صادم حين أعلن عن تشكيل “مجلس السلام”، مشيرًا إلى أنه قد يحل محل الأمم المتحدة التي وصفها بالعاجزة عن إنهاء الحروب.
هذا الإعلان لم يكن مجرد تصريح عابر، بل خطوة تحمل في طياتها تحديًا مباشرًا لأكبر منظمة دولية أنشئت لضمان السلم والأمن العالميين.
الأمم المتحدة بين الطموح والواقع
منذ تأسيسها عام 1945، حملت الأمم المتحدة على عاتقها مهمة منع الحروب وتعزيز التعاون الدولي. غير أن الانتقادات لم تتوقف بشأن ضعفها في مواجهة الأزمات الكبرى، من الحروب الأهلية إلى النزاعات الإقليمية. ترامب استغل هذا التراجع ليطرح بديله الخاص، مؤكدًا أن المنظمة لم ترتقِ إلى مستوى إمكانياتها، وأنه شخصيًا نجح في إنهاء نزاعات كان ينبغي أن تُحل عبر الأمم المتحدة.
مجلس السلام: مشروع ترامب المثير للجدل
المجلس الجديد جاء كجزء من اتفاق لإنهاء الحرب بين إسرائيل وحركة “حماس” في غزة، حيث وجّه ترامب دعوات إلى قادة العالم للانضمام، من بينهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. هذه الخطوة تكشف عن رغبة ترامب في إعادة صياغة النظام الدولي وفق رؤيته الخاصة، بعيدًا عن البيروقراطية الأممية التي يعتبرها معطلة وغير فعّالة.
ردود الفعل الدولية: رفض وتوجس
لم تمر المبادرة دون ردود فعل قوية؛ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون رفض الدعوة، مشيرًا إلى غموض نطاق عمل المجلس. أما الأمم المتحدة نفسها، فقد ردت عبر كبار مسؤوليها بالتأكيد على أنها باقية ولن يتم استبدالها، في محاولة لقطع الطريق أمام أي محاولة لتقويض شرعيتها. هذا التباين يعكس الانقسام الدولي بين من يرى في المجلس فرصة لإعادة ترتيب الأوراق، ومن يعتبره تهديدًا للنظام العالمي القائم.
محاولات بديلة للأمم المتحدة
ليست هذه المرة الأولى التي يُطرح فيها بديل للأمم المتحدة. في التاريخ الحديث، ظهرت عدة محاولات مشابهة:
- عصبة الأمم (1919–1946): أنشئت بعد الحرب العالمية الأولى لضمان السلم العالمي، لكنها فشلت في منع اندلاع الحرب العالمية الثانية، ما أدى إلى تأسيس الأمم المتحدة كبديل أكثر قوة وشرعية.
- حلف شمال الأطلسي (الناتو): رغم أنه ليس منظمة بديلة للأمم المتحدة، إلا أنه شكّل إطارًا أمنيًا موازيًا، حيث اعتمدت عليه الدول الغربية في إدارة الأزمات العسكرية بعيدًا عن مجلس الأمن.
- مجموعة العشرين (G20): ظهرت كمنصة اقتصادية عالمية بديلة جزئيًا لمجلس الأمن الاقتصادي للأمم المتحدة، وأصبحت أكثر تأثيرًا في إدارة الأزمات المالية العالمية.
هذه الأمثلة تكشف أن محاولات إنشاء كيانات بديلة غالبًا ما تنجح في ملء فراغات محددة، لكنها لم تستطع حتى الآن إلغاء دور الأمم المتحدة بالكامل. مبادرة ترامب قد تكون امتدادًا لهذه المحاولات، لكنها تحمل طابعًا سياسيًا أكثر وضوحًا، إذ ترتبط مباشرة بالصراعات في الشرق الأوسط.
هل نحن أمام تحول جذري؟
إعلان ترامب يفتح الباب أمام سيناريوهات خطيرة؛ فإذا نجح “مجلس السلام” في جذب قادة مؤثرين، فقد يشكل نواة لنظام بديل يضعف دور الأمم المتحدة تدريجيًا. أما إذا فشل، فسيظل مجرد مبادرة سياسية عابرة. لكن الأكيد أن مجرد طرح فكرة استبدال الأمم المتحدة يضع المنظمة أمام اختبار وجودي، ويجبرها على إعادة النظر في أدواتها وقدرتها على مواجهة التحديات العالمية.
صراع الإرادات الدولية
بين طموحات ترامب ومواقف العالم، يقف “مجلس السلام” كرمز لصراع الإرادات الدولية. قد يكون بداية النهاية للأمم المتحدة إذا لم تستطع الأخيرة استعادة ثقة الدول والشعوب في قدرتها على تحقيق السلام. العالم اليوم أمام مفترق طرق: إما إصلاح المنظمة الأممية لتواكب التحديات، أو الانزلاق نحو نظام جديد تقوده مبادرات فردية قد تعيد رسم ملامح السياسة العالمية.




