أراء وقراءاتاحدث الاخبارالصراط المستقيم

فاتح أفريقيا الجديد (3) من عيادة مكيفة… إلى قرى تموت عطشًا

بقلم أيقونة الاتزان/السفير د. أحمد سمير

لم يكن عبد الرحمن السميط يبحث عن بطولة ولم يكن يطارد مجدًا، ولا يسعى إلى صورة، ولا ينتظر تصفيقًا.
كان يمكنه، ببساطة، أن يعيش حياة مريحة، محترمة، مستقرة، بلا تعبٍ ولا نصب. طبيب ناجح، اسم لامع، مستقبل مضمون، مكانة اجتماعية عالية كل هذه الأسباب متوفرة ليختار الطريق الأسهل، والطبيعي، والمقبول اجتماعيًا.

لكن المشكلة الحقيقية في د. عبد الرحمن السميط لم تكن في حياته… بل في وعيه.

لحظة التحوّل

هناك لحظة يمرّ بها بعض البشر، لحظة صغيرة في ظاهرها، لكنها مدمّرة في أثرها لحظة ترى فيها العالم كما هو، لا كما تحب أن تراه تشاهده على حقيقته بدون تجميل، لكن أثرها أنك لا تعود قادرًا على الكذب على نفسك، ولا على الاحتماء بالأعذار المعتادة عبد الرحمن السميط مرّ بتلك اللحظة مبكرًا ونحن نعيش الى الـ 70 والـ 80 ولا نمر بأي لحظة.

رأى فيها أفريقيا لأول مرة، فلم يرَ فيها “قارة” كبيرة ذات نفوذ لكن رأى فيها أجسادًا هزيلة، أطفالًا بلا أسماء، أمهاتٍ يتقنّ الصبر أكثر مما يتقنّ البكاء.

 

رأى الموت واقفًا في الصف، ينتظر دوره بهدوء مرعب لم يكن الموت هناك استثناءً، بل جزءًا من المشهد اليومي، كالشمس والغبار والجوع.

الفرق بين الشفقة والمسؤولية

وهنا حدث ما لم يكن في الحسبان لم يشعر بالشفقة… شعر بالمسؤولية والفرق بينهما لو تعلمون كبير، وقاسٍ، ومؤلم

الشفقة تسمح لك أن تتأثر، أن تحزن، أن تدمع عيناك، ثم تعود إلى بيتك، مطمئنًا أنك “شعرت”.

أما المسؤولية، فهي لا تمنحك هذا الامتياز المسؤولية تُجبرك أن تعيد تعريف بيتك كله، وحياتك كلها، واختياراتك كلها.

الطب بمعناه الحقيقي

من تلك اللحظة، صارت العيادة المكيفة عبئًا أخلاقيًا، وصار النجاح المهني ناقصًا، بل فاضحًا.   كيف تعالج ألم فرد، وأنت ترى ألم قارة كاملة؟
كيف تكتفي بوصفة طبية، وأنت ترى أن المرض ليس خللًا في الجسد فقط، بل نتيجة طبيعية للفقر، والجهل، والظلم، ولعالمٍ قرر أن يتفرج؟

لم يترك عبد الرحمن السميط الطب، بل أعاد له معناه اكتشف أن الطب الحقيقي لا يتوقف عند تشخيص المرض، بل يبدأ بسؤال أعمق: لماذا مرض هذا الإنسان أصلًا؟

في القرى الإفريقية، لم يكن الناس يموتون لأن الدواء غائب فقط، بل لأن العالم غائب لأن العدالة غائبة، والاهتمام غائب، والضمير العالمي غائب والأصح أنه مات.

العمل الخيري… والتحوّل الحقيقي

وهنا فهم السميط درسًا لم نتعلمه نحن بعد: أن العمل الخيري لا يبدأ من الجيب، بل من القرار المؤلم بأن تتّسع رؤيتك حتى تؤلمك أن تسمح لنفسك أن ترى ما تحاول الأنظمة، والإعلام، والرفاهية، أن تخفيه عنك.

اختار أن يرى كل يوم ما يهرب منه الآخرون اختار أن يعيش حيث لا كهرباء، ولا ماء، ولا ضمانات ليس لأنه يكره الحياة، بل لأنه أحب الإنسان أكثر من راحته أحب أن يكون صادقًا مع نفسه، حتى لو كان الثمن باهظًا.

فالتحوّل الحقيقي لا يكون صاخبًا لا تُعلن عنه البيانات، ولا تُصنع له الحملات، ولا تصفق له الجماهير.

التحوّل الحقيقي يحدث في الداخل، بصمتٍ ثقيل، ثم يفرض نفسه على كل شيء بعدها.

رحلة السميط كإنسان 

من هنا بدأت رحلة عبد الرحمن السميط الحقيقية لا كداعية، ولا كطبيب، بل كإنسان قرر أن لا يكون “طبيعيًا” في عالم مريض.

كان يعرف أن ما يفعله لن يجعله محبوبًا دائمًا، ولن يمنحه مكانًا في الصور الرسمية، لكنه كان يعرف أيضًا أن بعض الأفعال لا تُقاس بردود الفعل، بل بعمق الأثر وأن بعض الطرق لا تُسلك لتُرى، بل لتُغيّر.

وفي كل مرة نسأل: كيف فعل كل هذا؟ كيف احتمل؟ كيف صمد؟ كيف أعطى؟
وننسى السؤال الأهم، والأكثر إيلامًا: كيف قبلنا نحن أن نرى كل هذا… ثم نعود كما كنا؟

ختاما رحلة د. عبد الرحمن السميط ليست حكاية رجل استثنائي بقدر ما هي مرآة قاسية نُجبر على النظر فيها.

الإنسانية اختيار

مرآة تُذكّرنا بأن الإنسانية ليست موهبة نادرة، بل اختيار صعب وأن الإيمان، حين يكون صادقًا، لا يكتفي بالنجاة الفردية، بل يطلب الخلاص للجميع.

ربما لا نُطالَب جميعًا أن نذهب إلى إفريقيا، ولا أن نترك كل شيء خلفنا لكننا، على الأقل، مُطالَبون أن لا نكذب على أنفسنا أن نعترف بأن العالم لا ينقصه الأذكياء، ولا الناجحون، ولا المتفوقون… بل ينقصه بشر قرروا أن يشعروا بالمسؤولية، لا بالشفقة فقط.

عبد الرحمن السميط لم يكن بطلًا خارقًا، بل إنسانًا عاديًا امتلك شجاعة القرار، في زمن الهروب، هي أشهر أنواع البطولة.

واجعل شعارك

(الأثر لا يُقاس بما يُقال… بل بما يبقى)

فكن أنت الفاتح الجديد

 

السفير د. أحمد سمير

عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة

السفير الأممي للشراكة المجتمعية

رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى