عالم اضطراب طيف التوحد بين الأسرار و العجائب – 6

تشخيص اضطراب طيف التوحد وأهمية التدخل المبكر
بقلم دكتور / ايمن منصور
وبعد أن تناولنا بفضل الله وتوفيقه علي مدار عدة أسابيع سابقة من خلال مقالات متسلسلة وعرفنا مفهوم اضطراب طيف التوحد ، والأسباب التي تناولها العلماء والباحثين لهذا الاضطراب واهم السمات والخصائص المميزة لهذا الاضطراب ، وغير ذلك من الموضوعات الهامة ، ننتقل الآن لمستوى هام جدا وضرورى أن نفهمه بعمق ووضوح تام وهو :
كيف يتم تشخيص اضطراب طيف التوحد ؟
ولا بد في بادئ الأمر أن نؤكد على أن التشخيص الدقيق القائم على أسس علمية مهم جداً وبخاصة في التشخيص المبكر وبدون استخدام مقاييس مقننة صعب وقد يحدث الكثير من الأخطاء بحيث يتم تشخيص البعض من الحالات بتشخيصات خاطئة, أو أن ينصح المختص لولى أمر الطفل بالانتظار, وفي كل الحالات يتم فقد الوقت المناسب بالنسبة للتدخل المبكر, حيث أن التدخل المبكر يساعد المختصين على وضع آليات علاجية سريعة تعمل وتحد من انتشار المشكلات السلوكية التي تصاحب حالات اضطراب طيف التوحد .
** يتم تشخيص اضطراب طيف التوحد علمياً بشكل كبير عبر تقييمات سلوكية وتنموية شاملة بواسطة فريق من المختصين، باستخدام أدوات معيارية ( سيأتي تفصيلها لاحقا ) وملاحظة الطفل، مع التركيز على العجز المستمر في التواصل الاجتماعي والأنماط السلوكية المقيدة والمتكررة كما هو محدد في دليل DSM-5، وقد تُجرى فحوصات طبية (سمع، جينات ، مخ واعصاب وسيأتي أيضا تفصيل ذلك وتوضيحه لاحقا ) لاستبعاد اي حالات مرضية أخري متشابهة في الأعراض لاضطراب طيف التوحد كما سيأتي بيانه مفصلا في التشخيص المتكامل والتشخيص الفارقي.
** نصائح هامة جدا لأولياء الأمور قبل البدأ في تفصيل مسائل التشخيص .
١) نصيحتي لأولياء الأمور قبل التشخيص هي إذا نويت زيارة متخصص لعرض إبنك عليه لتشخيص إضطراب طيف التوحد لديه فقم بما يلي للتحضير لزيارة الطبيب:
– أعد قائمة بجميع الأدوية.. والتي تشمل الفيتامينات والأعشاب والأدوية المتاحة دون وصفة طبية، التي يتناولها الطفل، مع تحديد الجرعات .
– أعد قائمة بجميع التغيرات التي لاحظتها أنت والآخرون.. على سلوك الطفل.
– دوّن أي ملاحظات تلقيتها من البالغين ومقدمي الرعاية الآخرين.. مثل جليسة الأطفال والأقارب والمدرسين.
وإذا كان قد تم تقييم طفلك من قَبل عن طريق برنامج مدرسي، فأحضر معك هذا التقييم.
– أحضر معك سجل مراحل النمو الأساسية لطفلك.. إن كنت أعددت واحدًا.
– أحضر معك مقطع فيديو يتناول سلوكيات الطفل أو حركاته غير العادية.. إن كنت سجلت واحدًا.
– حاول أن تتذكر متى بدأ أطفالك الآخرون الكلام ومتى بلغوا مراحل النمو الأساسية إذا كان لطفلك أي أشقاء، وشارك هذه المعلومات مع الطبيب.
– كن مستعدًا لوصف كيفية لعب الطفل وتفاعله مع الأطفال الآخرين وأشقائه ووالديه.
– اصطحب معك أحد أفراد الأسرة أو صديقًا إن أمكن، لمساعدتك على تذكر المعلومات وتقديم الدعم العاطفي لك.
قم بإعداد قائمة بالأسئلة التي تريد طرحها على طبيب الطفل.
وربّما تضم هذه الأسئلة ما يلي:
– لماذا تعتقد أن طفلي مصاب (أو غير مصاب) باضطراب طيف التوحد؟
– هل هناك أية طريقة لتأكيد التشخيص؟
– إذا كان طفلي مصابًا باضطراب طيف التوحد، هل هناك أية طريقة نعرف بها مدى حدته؟
– ما التغيرات التي يمكنني توقع رؤيتها على الطفل بمرور الوقت؟
– ما نوع طرق العلاج أو الرعاية الخاصة التي يحتاجها الأطفال المصابون باضطراب طيف التوحد؟
– ما مقدار الرعاية الطبية العادية التي سيحتاج إليها طفلي، وما أنواعها؟
– ما نوع الدعم المتاح للأسر التي لديها أطفال مصابون باضطراب طيف التوحد؟
– كيف يمكنني معرفة المزيد عن اضطراب طيف التوحد؟
واطرح أي أسئلة إضافية في أي وقت لا تستوعب فيه معلومة ما .
٢) أهمية التدخل المبكر:
يسهم التدخل المبكر، إلى حد كبير، في تأهيل وتطوير حياة الشخص المصاب باضطراب طيف التوحد، حيث أثبتت الدراسات والتجارب العلمية، أن تطور الحالة وتحسنها يكونان أفضل بكثير، إذا كان الطفل يخضع لبرنامج تعليمي منظّم، بدرجة عالية ومكثفة عند سن 2 إلى 3 سنوات، ما يدع الفرصة أكبر لتطور ونمو المخ عنده، واكتساب الخبرات والتفاعل مع المحيط الذي حوله، مما يؤدي إلى تنمية القدرة المعرفية والاجتماعية لديه .
هناك أدلة وبراهين كمية ونوعية، إضافة إلى تقارير أولياء الأمور والمدرسين، أن التدخل المبكر يزيد من فرصة الطفل في تعليمه وتطويره، ويحسن من وظيفة وتفاعل الأسرة مع الموقف بشكل عام ، كما يخفف من العبء الملقى على عاتق المجتمع تماماً، كما يفعل في حالة التدخل المبكر، للكشف عن القدرات الإبداعية لدى الأطفال الموهوبين والمبدعين .
كما أظهرت الكثير من الدراسات في الوقت الحالي، أن التدخل المبكر يزيد من فرصة تعليم وتأهيل الطفل لدخول المراحل الدراسية الأخيرة، وأحياناً يؤهله لإيجاد مهنة ما ، مقارنة مع الأطفال الذين لم تتح لهم فرصة التدخل المبكر . وفي دراسات أخرى تبين أن الأطفال الذين حصلوا على خدمة التدخل المبكر، قد أظهروا أداء أكاديمياً وغير أكاديمي أفضل، مقارنة مع الأطفال الذين لم يتلقوا خدمة التدخل المبكر.
إن المصابين باضطراب طيف التوحد يحتاجون إلى ساعات عديدة من التعلم المنظم، حتى يبقى الذهن مشغولاً بالعالم المحيط ، ويحتاجون إلى التفاعل بطريقة مجدية ومفيدة مع الكبار والصغار .
وهناك أسباب عديدة تبرز أهمية التدخل المبكر لاضطراب طيف التوحد وهي :
إنه في السنوات الأولى من عمر الطفل تكون بعض المراكز العصبية والحسية في الجهاز العصبي لا تزال في طور التشكيل، مما يجعل من السهل تعديلها وتطويرها . كذلك فإن عدم الكشف عن المشكلة في مرحلة مبكرة . يؤثر سلباً في مظاهر النمو الأخرى لدى الطفل، فعدم معالجة أنماط السلوك الحركي الشاذ لدى الطفل ، يؤثر سلباً في مظاهر النمو الحركي والمعرفي لديه .
تلعب الخبرة المبكرة لدى الأهل دوراً مهماً ، من خلال إتباعهم منذ السنوات الأولى ، من عمر الطفل، الأساليب العلمية التربوية السليمة للتعامل مع طفلهم ، وبالتالي التقليل من السلوكيات غير المرغوب فيها ،
وذلك لما يتصف به الطفل في هذا العمر ، من المرونة والقابلية للتغيير، إضافة إلى تقليل الضغط والقلق، الناتجين عن عدم معرفتهم الطرق والأساليب المناسبة للتعامل مع طفلهم.
هناك دور كبير ومهم، تلعبه الخبرة المبكرة في حياة الطفل، تلك الخبرة التي يكتسبها الطفل من والديه ومن بيئته المحيطة به، فتأخر الأهل في الكشف عن مشكلة ما ، يعاني منها الطفل، يؤدي إلى التأخر في تقديم الخدمات المناسبة له، فالطفل مثلاً، الذي يعاني من ضعف شديد في اللغة، إذا لم تتوافر له الخدمات العلاجية المناسبة في مراحل مبكرة من عمره، أدى به ذلك إلى التأخير في النمو اللغوي .
وكمحصلة نهائية، فقد أثبتت الدراسات المتعددة، أن التدخل المبكر يقوم بتسهيل تطوير نمو الطفل، إضافة إلى تقديم الدعم والمساعدة للأهل ، وإيصال الأهل والطفل إلى أقصى حد ممكن من الإفادة والمساعدة .
وانصح كل المراكز المتخصصة في تأهيل حالات اضطراب طيف التوحد أن تحرص على زيادة وعي المجتمع بحاجات الأشخاص . الذين يعانون من هذا الإضطراب وأسرهم ومن يعتني بهم، كما تعمل على زيادة وعي وكفاءة المتعاملين مع الأشخاص، الذين يعانون منه وأسرهم ومن يعتني بهم أيضاً، وتوفير الخدمات التربوية والنفسية والتأهيلية، والرعاية السليمة والدعم للأشخاص الذين يعانون من هذا الاضطراب وأسرهم .
وأخيراً فلا بد من الإشارة إلى أن نمو وتعلم الطفل يكونان سريعين وفعالين في سنوات ما قبل المدرسة . لذا ، فإن التدخل المبكر في تلك السنوات مهماً وحرجاً .
وعند هذا القدر اكتفي وان شاء الله الى لقاء قادم وفيه نبدا أولي مراحل التشخيص العلمي والمتكامل لإضطراب طيف التوحد.
دكتور – أيمن منصور
اخصائي تخاطب وتعديل سلوك
بمركز قدرات لتأهيل اطفال
ذوي الاحتياجات الخاصة الايوائي.
تاجورا – ليبيا .





