الصراط المستقيم

شهر (يغفل) عنه الناس

شهر (يغفل) عنه الناس
بهذه الكلمة وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الشهر الذي نحن فيه..
وصف يلخص الكثير..
ولأن القاعدة التي رسخها سيدنا الصديق رضي الله عنه هي: “إن كان قال فقد صدق”؛ فإن غفلة شعبان أمر واقع لا جدال فيه.
لكن.. مهلاً.
ما هي الغفلة؟
هل هي مجرد سهو بسيط؟
أم أنها حالة وجودية كاملة؟
هذا سؤال أرى أنه من الأهمية بمكان أن نحاول في هذه الأيام إجابته.. بل وتشريحه.
لذا، أستميحك عذراً أن تستدعي بعضا من رصيد الصبر الذي تمتلكه، وأن تمنح هذه السطور (الطويلة) فرصة؛ لا لتقرأها بعينك فحسب، بل لتسمح لها بالمرور إلى غرفة التحكم في عقلك، لعلها تعينك على تصور حجم الآفة..
الغفلة…
كالفيروسات الدقيقة هي… مُحال أن تُرى بالعين المجردة، ولا أن تُعلن عن نفسها بضجيج..
تتسلل في صمت، كضيفٍ ثقيل يعرف طريقه إلى واقعك دون استئذان.
لن تُسبب مجرد حمى عابرة أو زكامًا يُربك يومك، بل ستبدأ بتكسير العظام، ثم تتسرب تدريجيًا إلى الأعضاء الحيوية: القلب، والعقل، ومفاتيح الإدراك، فتُغيّبها دون أن تنتبه، كأنها تُطفئ الأنوار واحدةً تلو الأخرى..
تظن أن الليل قد حلّ، أو أن الكهرباء قد انقطعت بينما الحق أن حواسك هي التي غُيبت..
فجأة تجد نفسك في غرفة ضيقة بلا نوافذ… قد تكون أنيقة، مزينة، بل فاخرة، لكنها مصمتة، مكتومة، خانقة، لا يدخلها هواء، ولا يخرج منها صوت.
تجلس فيها مطمئنًا، مستمتعًا بما تظنه دعةً وأمانًا، بينما الحق أنك سجين، تتنفس وهمًا، وتختنق ببطء، ولا تشعر بنقص الأوكسجين إلا حين يعجز صدرك عن الشهيق..
وحين تكتشف أن الطمأنينة التي كنت تتكئ عليها، كانت مجرد وسادة هواء تُشبه الراحة، لكنها تخفي عنك حقيقة المرض الذي أصابك.
الغفلة…
ذلك المرض الذي يُغشّيك بوهم الامتلاء، بينما يتآكل رصيدك الحقيقي مما ينفع..

تُشغلك الشاشات، والإعلانات، والمواعيد، وضجيج اليوميات وتفاصيل الشواغل والماجريات عن سؤال واحد قد يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه مُزلزل في جوهره:
“إلى أين؟”
سؤال لن تسأله، لأنك تخشى أن تُجيب، ولأن الغرفة التي تسكنها – غرفة الغفلة – لا تسمح بالأسئلة، ولا تُحب الأصوات التي تُفسد سكونها، فتُربك رقادك
وتوقظك.
وهي لا تريدك أن تستيقظ
لذلك هي لن تأتيك كصفعة مباغتة تزعجك فتُعلن نفسها..
ستتسلل كقطٍ وديع، تتمدد في زوايا وعيك، وتُعيد ترتيب أولوياتك دون أن تستأذنك.
تُقنعك أن المهم يمكن تأجيله و العاجل هو ما يُعرض على الشاشة، و الحياة تُقاس بعدد الإشعارات، لا بعدد اللحظات التي عشتها حقًا.
تُغريك بالانشغال عن كل شيء
عن نفسك،
عن صوتك الداخلي،
تُبدّل أسئلتك الوجودية بأسئلة استهلاكية:
كم عدد المتابعين؟
هل وصل الطلب؟
هل ردّ الطرف الآخر؟
هل زادت الأرصدة؟
ثم تُخدّرك بإجابات سريعة، كأنها تُسكّن ألمًا لم تُدرك أصلا أنك مصاب به.
ألم حرمان الرضا..
نعم يا عزيزي… الغفلة تحرمك الرضا، وتجعلك تركض وراء الوهم، وتُقنعك أن السعادة في البعيد، بينما الطمأنينة كانت قريبة..
أقرب من سجادة صلاة في غرفة هادئة.
قرب لسان ذاكر وقلب حاضر..
{ أَلَا بِذِكۡرِ ٱللَّهِ تَطۡمَئِنُّ ٱلۡقُلُوبُ } [الرعد: 28]

لكن الغافل لا يلتفت لأنه مشغول بالركض،
ولا يرى أن السكون… كان هو الجواب.
الراضي يرى النعمة في كسرة خبز،
كأنها هدية من السماء، والغافل يرى الغم في مائدة عامرة، كأن الوفرة تُثقله بدل أن تُسعده.
الراضي ينام قرير العين، كمن سلّم قلبه لله واطمأن، والغافل يسهر يعدّ أرصدة البنوك ويخاف من الغد..
يملك كل شيء… إلا الطمأنينة.

والغفلة لا تُشبه الغياب، بل تُشبه الحضور الزائف..
أن تكون موجودًا في كل مكان، إلا في نفسك.
مع الوقت يتحول الغافل إلى بطل إعلان تجاري، يضحك بلا سبب، وكأن الضحك جزء من زيه الرسمي
يمشي في شوارع لامعة كأنها مرايا، لا تعكسه كما هو، بل تُعيد له صورته كما يحب أن يراها.
يرفع هاتفه الذكي كأنه يحمل مفاتيح الجنة، لا ليُجري اتصالًا، بل ليُثبت أنه قد انتصر على الفراغ.. وأنه متصل، “أونلاين” حتى لو كان منقطعا عن نفسه.
يظن أن الصورة حقيقية، وأن الدنيا مفصلة على هواه، وأن الكون يعمل بنظام خدمة العملاء وكل شيء قد وُجد ليُرضيه.
لكنه لا يرى حقيقة أن الإعلان ينتهي دائمًا بشاشة سوداء، وأن الموسيقى التي تُرافقه هي مجرد خلفية مؤقتة، تشوش على الأسئلة وتسكتها ولا تُجيب عنها.
في النهاية، قد يكتشف أنه ليس بطلًا، ولكن مجرد ممثل في مشهد لم يكتبه، لكنه يؤديه بحماس…
لأنه لا يعرف أنه يؤدي.

الغافل يظن نفسه “مركز الكون” فيتعامل مع الدنيا كأنها صالة كبار الزوار: مقاعد جلدية، قهوة فاخرة، خدمة شخصية، وابتسامات مصمّمة بعناية.
يظن أن الحياة تُدار من حوله، وأن الوقت ينتظره ليأذن له بالمرور.
ففي الدنيا الغفلة ليست شقاءً بل كثيرا ما تكون ترفًا وتجاهلا لكل ما يعكر لذته..

{ ذَرۡهُمۡ یَأۡكُلُوا۟ وَیَتَمَتَّعُوا۟ وَیُلۡهِهِمُ ٱلۡأَمَلُۖ فَسَوۡفَ یَعۡلَمُونَ } [الحجر: 3]
الترف في هذه الآية ليس يعرض من وجه النعمة، ولكن في صورة غطاء سميك فوق الحقيقة
والأمل هنا ليس رجاءً، بل مخدّر يُؤجل الصدمة
عندئذ تدرك أن الغفلة ليست مجرد نسيان، بل هي انكسار عميق في البوصلة الداخلية.. وخلل يجعل الاتجاهات تتداخل، فتظن أن المال هو الغاية العظمى، وأن المتعة قِبلة حياة لا يُرتجى أعظم منها، وأن الشهرة جنة تُغنيك عن كل شيء.
تمشي بثقة، لا لأنك تعرف الطريق، بل لأنك نسيت أن تسأل عنه، لتجد نفسك في صحراء واسعة، تخطو نحو السراب وكأنك ذاهب إلى موعد، ثم تغوص في رمال متحركة وأنت تصرخ بكل حماس: “كل شيء تحت السيطرة!”
بينما الحقيقة أن السيطرة نفسها ضاعت منك منذ استسلمت لذلك الفيروس الخبيث الذي جعلك دوما لا تلتفت فالغفلة تُحب من يمشي مغمضًا ويُقسم أنه يرى.

والغفلة تسرق الأنس..
ذلك الشعور أنك مع الله حتى وأنت وحدك، وأن الصلاة ليست مجرد حركات، بل موعد و صِلة.. وأن السجود ليس مجرد انحناء بل قرب ومناجاة.
الغافل قد يصلي، نعم، لكن كمن يُرسل رسائل “جمعة مباركة” و “عيد سعيد” و”رمضان كريم” على جروب العائلة أو زملاء العمل؛ لا ينتظر ردا لكنه يفعله بشكل آلي
كأن العلاقة من طرف واحد، وكأن الذكر إجراء روتيني، لا حوارًا متبادلا وإحساس حقيقي.
في السوق، يبدو الغافل كمسافر عاد إلى وطنه أخيرًا!
يسمع الضجيج، يبتسم، يُشارك، كأن كل شيء مألوف..
الزحام يُشبهه، و الوجوه تُرحّب به دون أن تنطق.
بينما في المسجد، يكون شخصًا منفصلًا، جسده حاضر، وروحه غائبة، كأن المكان لا يعرفه، وكأن السكينة تُحيط به دون أن تلمسه.
يقف في الصف، يركع، يسجد، لكن قلبه في مكان آخر..
الصلاة تمرّ عليه كما تمرّ الرياح على الزجاج:
تُحدث صوتًا، لكنها لا تدخل.
والغفلة هنا ليست في عدم الحضور، بل في الحضور الشكلي، كأنه يمثل دورا مكتوبا بعنايةبينما النص الحقيقي غائب عنه..
الأنس الذي كان ممكنًا… لم يُطلب أصلًا.

والغفلة ليست غيابًا عن الله فقط، بل غيابًا عن نفسك، عن حقيقتك،
عن اللحظة التي خُلقت لأجلها.

الغافل لا يعيش، بل يُستهلك.
يمشي في الحياة كما يمشي الظل يُشبه الإنسان، لكنه لا يملك حرارة الوجود.
ولا يُحاسب الإنسان فقط مجرد المشي أو عدد الخطوات، ولكن على اتجاهها.
والغفلة لن تقف عند نسيان الله ولكنها في الحقيقة بداية الفساد،
فساد القلب حين يُصبح قاسيًا كآلة حسابة لا تعرف إلا الأرقام،
وإن فساد البصيرة يستفحل حين ترى الأرقام ولا ترى الأرواح،
ثم يتطور أمر الغفلة إلى فساد العلاقات مع الناس حين يُعاملون كأوراق مالية قابلة للاستبدال أو كأنهم بنود في جدول، لا وجوه في حياة.
والقرآن لا يُجامل هذا الانحراف، بل يفضحه:
﴿ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانًا فهو له قرين﴾ [الزخرف: 36]

القرين هنا ليس ملاكًا ولا صديقًا، بل شيطان يُزيّن لك كل شيء، ويُعيد تشكيل القبح ليبدو أنيقًا، ويُعيد تعريف الخطأ ليبدو اجتهادًا،
حتى يسقط الغافل، لا لأنه أراد السقوط، بل لأنه سار مع من لا يعرف إلا الهاوية.

القرآن لا يكتفي بوصف الغفلة، بل يفضحها ويفصل هيئتها ومآلها بصور حية نابضة..
﴿اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون﴾
مشهد تصوره آية واضحة على قصرها تبين الفصام النكد بين الحقيقة والواقع لتُغلق دائرة المعنى بضربة واحدة:
الحساب يقترب، والغافل مشغول
لا يشترط أن يكون مشغولا بالشر..
التفاهة تكفى ليتم المشهد..
هو لا يهرب فقط من الحقيقة، بل يُعرض عن مجرد التعرض لمذكرات بها كمن يسمع صوت إنذار حريق فيُرفع صوت التلفاز ليغطي على ضجيجه فلا ينزعج.
الغفلة هنا ليست مجرد سهو، بل اختيار واعٍ للانشغال،
انشغال بالدنيا، بالعَرَض، بالسطح،
بينما العدّاد يعمل، والموعد يقترب،
ولا أحد يُوقفه.

“نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ”
في هذا الحديث يبين النبي صلى الله عليه وسلم أن الغافل لا يرى النعمة إلا حين تنزلق من بين يديه،
كمن يُمسك حفنة رمل ويتخيلها ذهبًا،
تتسرب من بين الأصابع وهو ما يزال يبتسم للكاميرا،
يظن أن الصورة تحفظ اللحظة،
لكنها لا تحفظ النعمة، ولا تُعيد الزمن، ولا تُوقف الخسارة.
الغفلة هنا ليست في الجهل بقيمة النعمة،
بل في الانشغال عنها، كأنها خلفية في مشهدٍ مزدحم، لا تُرى إلا حين يُغلق الستار، ويكتشف البطل أنه كان يُمثل… على نفسه.

عندئذ تأتي المفاجأة الكبرى، لا في شكل حدث عابر، بل في هيئة سكرة.
السكرة الأخيرة..
{ وَجَاۤءَتۡ سَكۡرَةُ ٱلۡمَوۡتِ بِٱلۡحَقِّۖ ذَ ٰ⁠لِكَ مَا كُنتَ مِنۡهُ تَحِیدُ }
هنا تبدأ التنبيهات التي لا رجعة بعدها،
ولا انتباه ينفع،
لن يوجد زرّ سيُعيد المشهد من البداية.
وتتوالى المفاجآت و حقائق كانت معلّقة قي ذهنه لا يريد النظر إليها..
{ وَنُفِخَ فِی ٱلصُّورِۚ ذَ ٰ⁠لِكَ یَوۡمُ ٱلۡوَعِیدِ }
{ وَجَاۤءَتۡ كُلُّ نَفۡسࣲ مَّعَهَا سَاۤئقࣱ وَشَهِیدࣱ }
لا أحد وحده..
لا أحد مجهول،
ولا أحد يُفلت.
عندئذ، يُدرك الغافل الحقيقة، لكن بعد فوات الإدراك..
{ لَّقَدۡ كُنتَ فِی غَفۡلَةࣲ مِّنۡ هَـٰذَا فَكَشَفۡنَا عَنكَ غِطَاۤءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلۡیَوۡمَ حَدِیدࣱ }
بصرٌ حاد، لكن بعد فوات البصيرة،
وعيٌ مُباغت، لكنه لا يُنقذ، لأن الغفلة كانت طويلة، والحقيقة كانت تنتظر بصبرٍ لا يُشبه صبر البشر.

ثم يقترب الوعد الحق، لا كخبر يُتداول، بل كحقيقة تُفرض.
تبدأ العيون في الشخوص، لا لأنها ترى أكثر، بل لأنها فجأة تبصر ما كانت تتجاهله.
{ وَٱقۡتَرَبَ ٱلۡوَعۡدُ ٱلۡحَقُّ فَإِذَا هِیَ شَـٰخِصَةٌ أَبۡصَـٰرُ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ }
هنا لا مجال للتأجيل، ولا وقت للمراجعة،
فقط شهقة واحدة، وندمٌ لا يُجدي:
“يا ويلنا، لقد كنا في غفلة من هذا، بل كنا ظالمين”.
الغفلة لم تكن إلا ظلم للذات، ظلم للوقت، للفرصة، و للمعنى.
والويل هنا ليس عقوبة، بل اعتراف متأخر،
صرخة من داخل الغرفة التي أُغلقوا أبوابها عليهم حين أدرك ساكنها أخيرا أنه كان حبيسا دون أن يدري
ثم يأتي يوم الحسرة، لا كعنوان في كتاب، بل كواقع لا يُمحى.
{ وَأَنذِرۡهُمۡ یَوۡمَ ٱلۡحَسۡرَةِ إِذۡ قُضِیَ ٱلۡأَمۡرُ وَهُمۡ فِی غَفۡلَةࣲ وَهُمۡ لَا یُؤۡمِنُونَ }
يوم لا يُسمح فيه بالتصحيح، ولا يُقبل فيه التبرير،
يوم تُغلق فيه كل الأبواب التي كانت مفتوحة دون أن يلحظها حبيس الغفلة ثم تُفتح نافذة واحدة فقط..
نافذة الندم.
لكنها هنالك نافذة لا تُطل على شيء، لأن الأمر قد قُضي، والغفلة كانت طويلة،
والإيمان لم يكن حاضرًا، فلا يبقى إلا الحسرة.
كأنها ضيف ثقيل جاء بعد انتهاء الحفل،
ليُخبرك أن كل ما حدث… لم يكن كما ظننت.
لكن الإشكاليةلم تكن في الغفلة وحدها، بل في اجتماع صفاتها ومسبباتها كلها في إنسان واحد.
{ وَلَقَدۡ ذَرَأۡنَا لِجَهَنَّمَ كَثِیرࣰا مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِۖ}
ليسوا قلة، بل كثير…
لهم قلوب لا تفقه، كأنها أُغلقت بإحكام،
وأعين لا تُبصر، كأنها ترى ولا تنتبه، وآذان لا تسمع، كأنها تلتقط الصوت ولا تفهمه.
كائنات تمشي وتتحرك وتضحك وتستهلك،
لكنها لا تعيش،
{ أُو۟لَـٰۤئكَ كَٱلۡأَنۡعَـٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّۚ }
ليسوا غافلين فقط، بل هم الغفلة نفسها،
كأنهم نسوا أن لهم أدوات إدراك، أو تخلّوا عنها طواعية ليسكنوا غرف الغفلة المصمتة،
لذلك صار المآل صعبًا
الكلمة واضحة.. مؤلمة
لِجَهَنَّمَ
كأنه يسيرون في طريق هي نهايته الوحيدة لا لأن الطريق كان مظلما، بل لأنهم أطفأوا المصابيح بأيديهم، ثم مشوا فيه بثقة.

وهنا تتجلّى الغفلة في صورتها الأخطر: حين تُصبح اختيارًا، لا سهوًا.
{ سَأَصۡرِفُ عَنۡ ءَایَـٰتِیَ ٱلَّذِینَ یَتَكَبَّرُونَ فِی ٱلۡأَرۡضِ بِغَیۡرِ ٱلۡحَقِّ }
هؤلاء لا يُعرضون عن الآيات لأنهم لم يسمعوها، بل لأنهم رأوها ولم يُعجبهم محتواها بسبب المرض الأسبق
الكبر
“وَإِن یَرَوۡا۟ كُلَّ ءَایَةࣲ لَّا یُؤۡمِنُوا۟ بِهَا وَإِن یَرَوۡا۟ سَبِیلَ ٱلرُّشۡدِ لَا یَتَّخِذُوهُ سَبِیلࣰا وَإِن یَرَوۡا۟ سَبِیلَ ٱلۡغَیِّ یَتَّخِذُوهُ سَبِیلࣰاۚ
يرون سبيل الرشد، لكنهم لا يتخذونه،
يرون سبيل الغي، فيُقبلون عليه كمن وجد ضالته
لماذا؟
السبب واضح في خاتمة الآية
كالعادة.. الفيروس الخبيث
” ذَ ٰ⁠لِكَ بِأَنَّهُمۡ كَذَّبُوا۟ بِـَٔایَـٰتِنَا وَكَانُوا۟ عَنۡهَا غَـٰفِلِینَ”
الغفلة هنا ليست غيابًا عن المشهد، بل رفضًا له، كأنهم أداروا ظهورهم للحق، ثم تساءلوا: “أين هو؟”
أغلقوا أعينهم، ثم اشتكوا من الظلام.
هنا لا يعود الإنذار مجديًا لأن الغفلة تحوّلت إلى موقف، والتكبّر صار جدارًا لا تُخترقه الآيات..

والغفلة لا تعني الجهل، بل تعني أن تعرف كل شيء… ما عدا المهم… بل الأهم .
{ یَعۡلَمُونَ ظَـٰهِرࣰا مِّنَ ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا وَهُمۡ عَنِ ٱلۡـَٔاخِرَةِ هُمۡ غَـٰفِلُونَ }
يعرفون أسعار العملات، ومواعيد العروض، وأحدث صيحات الموضة، وآخر التريندات..
لكنهم لا يعرفون لماذا خُلقوا، ولا إلى أين يسيرون.
يحفظون تفاصيل الحياة اليومية كما يحفظ الممثل نصه، لكنهم لا يعرفون سياق الحياة، ولا نهاية المشهد.
الغفلة هنا ليست غيابًا عن المعلومة،
بل غرقًا في التفاصيل التي تُخدر السؤال الكبير، كأنهم يُحدقون في شاشة مليئة بالأرقام، بينما العدّاد الحقيقي يعمل في الخلفية…
بصمت.

لكن القرآن لا يُكتفى بوصف الغفلة، بل يُفتح باب النجاة منها.
{ وَٱذۡكُر رَّبَّكَ فِی نَفۡسِكَ تَضَرُّعࣰا وَخِیفَةࣰ وَدُونَ ٱلۡجَهۡرِ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ وَلَا تَكُن مِّنَ ٱلۡغَـٰفِلِینَ}
ها هنا آية في خاتمتها تنهى عن الغفلة
{ وَلَا تَكُن مِّنَ ٱلۡغَـٰفِلِینَ }
لكن قبل النهي القاطع كان الطريق الواضح
واذكر ربك…
الذكر الحقيقي الراسخ الذي لا يحتاج مكبرات صوت، بل قلبًا حيًا،
الذكر الذي لا يُطلب في الحشود، بل في العزلة
وفي كل وقت حال
في الغدوّ والآصال، حين يكون العالم مشغولًا، وأنت وحدك تُعيد ترتيبك الداخلي.
{ وَلَا تَكُن مِّنَ ٱلۡغَـٰفِلِینَ } الغفلة ليست مجرد غياب عن الذكر، بل غياب عن الذات، وعن المعنى.

الذكر هنا ليس ترديدًا، بل استحضارا ومعرفة، كأنك تُمسك البوصلة من جديد،
وتُعيد توجيه القلب قبل أن يُغلق الطريق.

ثم تأتي الوصية القرآنية التي تُشبه حبل النجاة وسط بحار الغفلة متلاطمة الأمواج
{ وَٱصۡبِرۡ نَفۡسَكَ مَعَ ٱلَّذِینَ یَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِیِّ یُرِیدُونَ وَجۡهَهُۥ }
هؤلاء الذين لا يملكون الأضواء، ولا يتصدرون المشهد، لكنهم يعرفون الطريق، ويُضيئون ما حولهم بالذكر والدعاء، لا بالزينة والأموال.
{ وَلَا تَعۡدُ عَیۡنَاكَ عَنۡهُمۡ تُرِیدُ زِینَةَ ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا }
العين حين تُغادرهم، لا تبحث عن الحق، بل عن البريق الللامع
بريق لا يُضيء، بل يُبهر ويُعمي.
في المقابل..
{ وَلَا تُطِعۡ مَنۡ أَغۡفَلۡنَا قَلۡبَهُۥ عَن ذِكۡرِنَا }
الغفلة هنا ليست في العقل، بل في القلب،
كأن الذكر لم يمرّ به قط، وكأن الهوى صار دليلًا ومتبوعا، لا يُسأل ولا يُراجع.
ثم كانت النتيجة الوحيدة:
{ وَكَانَ أَمۡرُهُۥ فُرُطࣰا }
فُرُطًا…
كل شيء صار مبعثرًا:
الوقت، والنية، والاتجاه،
حياته صارت كأنها حقيبة مفتوحة في مهب الريح، ولا شيء فيها يُمسك القيمة الحقيقية.
وهذا لا ينبغي أن يُطاع،
الطاعة تعني أن تسير خلفه..
وهو لا يعرف الطريق..
تصوّر أنك في ليلة مظلمة تسير بين أرجاء مدينة مزدحمة..
أضواء المحلات لامعة، نغمات الموسيقى عالية،
الناس مشغولون بشراء ما لا يحتاجون، كأنهم يُطفئون فراغهم بالسلع.
ثم فجأة… تُطفأ كل الأضواء.
من بقي معه مصباح ذكر الله وقرآنه،
لا يتعثر..
يمشي بثبات، كأن الظلام لا يعنيه.
ومن عاش في الغفلة…
يتحسس الجدران في ظلام دامس، يظن أنه سيجد باب يؤيه،
لكن الباب كان خلفه، وكان مفتوحًا، حين كان الذكر ممكنًا.

الغفلة ليست غبارًا على سطح الروح، بل صدأٌ في المفاصل تُعطّل الحركة نحو المعنى، وتُجمّل الركود حتى يبدو راحة.

والغافل لا يسقط فجأة، بل يتآكل ببطء،
كمن يضحك في حفلة تنكرية، ولا يدري أن القناع قد التصق بوجهه
وفي النهاية،
لا يُحاسب الإنسان على عدد الأيام التي عاشها بل على ما فعله حين كان مستيقظًا.
والغفلة ليست نومًا، بل اختيارٌ واعٍ لإغماض القلب، ثم ادّعاء البراءة حين يأتي السؤال.
ليست مجرد خطأ ولكنها قرار ضمني بأن تُطفئ المصباح، وتفضل الظلام،
ثم تُنكر أنك تائه.
والمشكلة الأخطر أن الغفلة ليست مجرد لحظة عابرة..
هيحياة كاملة تُعاش في الاتجاه الخاطئ،
تركض بثقة في ممرٍ لا يؤدي إلى شيء،
تُراكم الإنجازات، وتُراكم التعب،
لكنك لا تقترب من المعنى.

وما من علاج إلا أن تستيقظ..
الآن… هنا في هذه الدار قبل أن توقظك الصيحة، وقبل أن يأتي الموت كمنبّه لا يُؤجل..
{ حَتَّىٰۤ إِذَا جَاۤءَ أَحَدَهُمُ ٱلۡمَوۡتُ قَالَ رَبِّ ٱرۡجِعُونِ * لَعَلِّیۤ أَعۡمَلُ صَـٰلِحࣰا فِیمَا تَرَكۡتُ }

لكن الرجوع لا يُمنح هناك، والعمل لا يُقبل بعد الإغلاق، والغفلة التي كانت ترفًا تصبح ندمًا مقيما
ندم تأخر.. حين كنت تضحك في مشهد النهاية، ولم تلاحظ أن العرض قد انتهى..
وأن الستار قد أُسدل…

مختارة من حساب الدكتور محمد علي يوسف على فيسبوك.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى