أراء وقراءات

الكراسي لازلت شاغرة

بقلم / الفنان أمير وهيب 

عهد الطفولة كان في فترة تاريخية اجتماعية وسياسية يمكن وصفها ب ” الانتقالية ” ، مصر تعاني اثار نكسة وتستعد ل ” النصر ” وقد كان.

و كان ” التليفزيون ” في مصر في هذه الفترة وما بعدها له شأن كبير ، كان كما يتم تعرفيه في أغنية أعدت خصيصا له كتنويه عنه ” كله ثقافة وعلوم وفنون يسلي تمام زي السيما ” . وكان يعتمد عليه فعليا في التعليم والثقافة ،  بحيث أن مصر لو شبهتها ب ” قطار “يكون التليفزيون هو القاطرة ، اي أن التليفزيون هو العربة ذات الموتور التي تقوم بجر سائر العربات وهذه العربة معروفة ايضا ب ” الجرار “.

و لأن التليفزيون يعرف تماما حجم المسؤلية ، و يعلم تماما أن شعب مصر يجلس أمام شاشته ، لكي يكتسب العلم والمعرفة والثقافة والتربية ، كان كل ما يقدمه يقدمه بعد فرز و مراجعة وبمنتهى الأمانة و الضمير.

و اول مادة في هذه القائمة هو ” مقدم ” البرنامج نفسه و كان معروف في هذه الفترة بلقب ” مذيع “.

فكان اختيار المذيع والمذيعة ، يتم اختياره بعناية فائقة ويستند الي مواصفات ومعايير و مقاييس تجعل من مقدم برنامج ” نموذج ” في العلم و الثقافة.

ولدرجة أنهم كانوا يشاركون في اختيار الوزراء و المسؤولين في مواقعهم ، بشكل غير مباشر ، من خلال ” حوار ” يمكن أن يكون بمثابة المقابلة التي تجيز تعيينه وزير أو رئيس هيئة أو رفضه إذا بدا على كلامه مغالطة و مناقضة.

بمعنى ، اختيار المذيع الموهوب الكفاءة لكي يكشف لنا الشخصيات الكفاءة.

و أجزم اني تعلمت و تأثرت كثيرا ب ” رشا مدينة ” في برنامج فن و ابداع و ” منى عبد الوهاب ” في برنامج ألوان.

بجانب برامج تعليمية تثقيفية من نوعية ” تكنولوجيا ” التي كان يقدمها شخصية عالمية تجمع بين الفن و الهندسة اسمه ” يوسف مظهر “

و برنامج العلم و الايمان الذي يقدمه مصطفى محمود و غيره.

* من ضمن الشخصيات التي تم اختيارها بعناية في موقعها هي ” هدى وصفي ” لإدارة مركز الهناجر للفنون في الفترة من ١٩٩٢ الي ٢٠١٢.

اي بالتزامن مع تخرجي من كلية الفنون الجميلة العظيمة و حتى الفوضى في يناير ٢٠١١.

هدى وصفي

* هدى وصفي في عهدها كان مركز الهناجر مركز عالمي و اتذكر جيدا و كنت في هذه الفترة في بداية طريق الفن و ما امتلكه في خزينة سيرتي الذاتية هو ثلاث معارض جماعية و معرض فردي.

* و مع ذلك تلقيت دعوة من المركز لحضور معرض فنان ألماني من أصل سوري اسمه ” مروان قصاب باشي ” ( ٣١ يناير ١٩٣٤ – ٢٢ أكتوبر ٢٠١٦ ) Marwan Kassab Bachi.

الفنان السوري مروان قصاب باشي

* الكلام عن مروان يحتاج مقال منفصل لأنه فنان كبير.

* و كان يوم تواجدي أمام لوحاته يوم السبت ١٩ أكتوبر ١٩٩٦ ، لم يكن أحد موجود من الجمهور غيري و أثناء تفحص إحدى اللوحات اقترب مني شخص ، وسألني هو حضرتك أجنبي ؟

التفت إليه و قلت له لأ ، عايز مساعدة في حاجة ؟

قال لي أيوة بعد اذنك ممكن نسجل معك برنامج في التليفزيون ، تقول لنا رأيك في هذه الأعمال ، نظرت خلفه على بعد حوالي ثلاثة أمتار تقف بنت بجانب الكاميرا سألته هي دي المذيعة قال لي أيوة أستاذة “جيهان لبيب “. وافقت و سجلت.

* البرنامج اسمه شباب × شباب و اتذاع فعلا بعدها يوم الثلاثاء ٢٢ اكتوبر.

* مع بدأ انطلاق واطلاق ما يعرف بالفضائيات كانت بداية الانحدار والتخلي عن الأمانة والضمير في اختيار المذيع الكفاءة و بدوره لم يعد قادر على كشف الكفاءة.

* و لم يعد هناك شخصيات مؤثرة في مواقعها من نوعية ” هدى وصفي ” كمسؤلة و لا حتى في تليفزيون الدولة من نوعية يوسف مظهر.

* كان المسؤل يستعرض قدراته و يجعل من كرسي المسؤلية نجم في حد ذاته ، حاليا ، مخضوض و يطيع الضغط.

عبد المنعم عمارة

* اتذكر من هؤلاء النجوم في مواقعهم ، عبد السلام المحجوب محافظ الإسكندرية في الفترة من ١٩٩٧ الي ٢٠٠٦ و من قبله عبد المنعم عمارة محافظ الإسماعيلية في الفترة من ١٩٧٨ الي ١٩٩٠.

* مصر حاليا تعيش فوضى واضحة جدا على القنوات التليفزيونية و تعيش حالة من التدني في نوعية ” الكراسي “.

* و اذا كان مستحيل محاسبة شخص أطلق قناة تليفزيونية خاصة لكي يستعيد ما أنفقه ، و هو معه كل الحق ، في اختيار نوعية البرامج و من يقدمها.

* لمزيد من الإيضاح ، لا يمكن محاسبة ” نادي بيراميدز ” عندما تعاقد مع لاعبي الزمالك و الاهلي.

* يكون من المنطقي أن تجتهد الدولة في استعادة بريق قنواتها التليفزيونية من إعادة ” الديكورات ” و تقديم وجوه جديدة شابة متعلمة و مثقفة مع راتب يليق بالكفاءة.

* و البداية إعادة اعلان وظائف خالية في الجريدة الرسمية مطلوب ” مذيع ” و ” مذيعة ” مع الامتناع عن استخدام لقب إعلامي وإعلامية.

* و اول شخص يجب البحث عنه هو شخص من نوعية محمد حسنين هيكل كما فعل مع جريدة الأهرام يقوم بانتشال ماسبيرو لمواجهة هذه السذاجة و ملأ الكراسي بالشكل الصحيح.

* ختاما .. الكراسي في مواقع المسؤولية والإعلام ليست مجرد مقاعد، بل هي رموز للثقة والكفاءة. حين تُملأ بالشخصيات المناسبة، تصبح منابر للعلم والثقافة والنهضة. وحين تُترك فارغة أو يشغلها غير الأكفاء، تتحول إلى عبء على المجتمع. المطلوب اليوم هو إعادة الاعتبار لهذه الكراسي، لتعود مصر إلى موقعها الريادي في الإعلام والثقافة.

أمير وهيب 

فنان تشكيلي وكاتب ومفكر 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى