
المصارعة نموذجاً لتراث حي يجمع القوة والهوية
كتبت – د. هيام الإبس
الرياضة من الإهتمامات الشعبية التي ما زالت تحتفظ بقوتها كنشاط اجتماعي وشعبي وتهتم كل قبائل جبال النوبة بها وبصورتها التراثية المعبرة عن قيم المجتمع، والرياضة هنا تمثل التسامح والمحبة والتعاون والصداقة ومهما كانت نتائج المنافسات الرياضية فلا يمكن أن يؤدي ذلك إلي مشاجرة بل العكس يعزز ذلك العلاقات بين قبائل ومناطق الجبال المختلفة.
المصارعة.. تاريخ ضارب في القدم
وتعد رياضة المصارعة من الرياضات القديمة قِدم التاريخ نفسه، قِدم صراع الإنسان مع الحيوان للحصول على الطعام والرغبة في القوة الجسدية للتميز عن الآخرين ثم حكمهم والسيطرة عليهم.
في بلاد السودان لرياضة المصارعة تاريخ ضارب في القِدم أيضًا؛ إذ يعود تاريخ ممارستها في مناطق جبال النوبة في ولاية جنوب كردفان لأكثر من مئة عام وتُسمّي في العامية السودانية “الصُراعْ.
وُجدت أيضًا رسومات تصور مصارعة النوبة على جدران المعابد والمدافن القديمة في مملكتي نبتة ومروي في شمال السودان وجنوب مصر وفق إفادات العلماء والباحثين والمهتمين بالآثار السودانية، وهي بذلك تصبح أقدم من المصارعة الرومانية المعروفة لأسبقية حضارة كوش تاريخيًا.
موسم الحصاد.. عرس قبلي ومهرجان رياضي
ووسط دوي الطبول وصوت الآلة الموسيقية المحلية المصنوعة من قرن حيوان الجاموس أو الثور وزغاريد النساء بثيابهن الملونة وأغانيهن لتشجيع المتصارعين، تنطلق في النصف الأخير من شهر أكتوبر، بدايات موسم الحصاد من كل عام وحتى نوفمبر، فعاليات صراع النوبة الرياضة الشعبية الأشهر لقبائل جبال النوبة مثل الحوازمة والنوبة والمسيرية الزرق والفلاتة والبقارة والتي تسمى في تلك المناطق بـ “الصُراعْ” وتعتبر مدينة كادُقلي حاضرة ولاية جنوب كردفان معقل رياضة الصُراعْ.
السمة العامة لموسم الحصاد في تلك المناطق هي الاحتفالات بنهاية الموسم الزراعي فينخرط المواطنون في احتفالات يومية بالغناء والرقص وارتداء الملابس الملونة والإكسسوارات على أعناقهم وأياديهم وأرجلهم، ورياضة الصُراعْ هي واسطة عقد ذلك العُرس القبلي.
حيث تبدأ الاستعدادات لموسم المصارعة من كل عام في شهر مارس وتستمر لسبعة أشهر حتى موعد الحصاد في أكتوبر.
البنية الجسدية القوية
السمة الواضحة لإنسان جبال النوبة هي البنية الجسدية القوية؛ ويرجع ذلك إلى طبيعة المنطقة الجبلية القاسية والتي ساعدته في التأقلم، تقدم القبيلة مصارعيها الشجعان أقوياء البنية الذين سيمثلونها مبكراً؛ حيث المصارع ممثلًا للقبيلة كلها لا لنفسه فيدخل في معسكرات تدريب وتمرين على فنون اللعبة يخضع فيها لنظام تغذية صارم يُمنع فيه من تناول أطعمة محددة ويكثر من تناول أخرى مثل العسل واللبن وعصيدة الدخن السائلة وشوربة الدجاج واللحم.
القيم المعنوية في صراع قبائل جبال النوبة تتمثل في الشجاعة والفروسية ومحاكاة قوة الثور رمز القوة في المنطقة، و اللاعبين يقومون بترديد همهمات شبيهة بصوت الثور مع بعض الرقصات كإحماء قبل المباراة.
وتعتمد مباراة الصُراعْ على قوة الجسم ومرونته، حيث ترتكز اللعبة في الأساس على الأيدي ولا توجد بها ركلات أو لكمات وتُحسم المباراة حين ينجح أحد اللاعبين في إسقاط خصمه على الأرض، ولا يتعدى زمن المباراة العشرة دقائق؛ حيث تكون الدقائق الخمسة الأولى إحماء ومناوشات دون اشتباك لمعرفة نقطة ضعف الخصم ومن ثم الانقضاض عليه وإسقاطه على الأرض وتنتهي المباراة بالتعادل في حال فشل أحدهما في إسقاط الآخر.
دور النساء في إشعال الحماس
رغم أن الرياضة كانت وما زالت حِكراً على الرجال؛ لكن دور النساء في تلك المناطق القبلية يظهر جليًا في إشعالهن لحماس اللاعبين والمحاربين والتغني بشجاعتهم وقوتهم، حيث يبدأ دور الفتيات مبكراً في فترة تحضير اللاعب لمباريات موسم الحصاد القادم، وتنتخب كل فتاة مصارعًا تُعجب به وتشجعه وتجلب له الهدايا مثل أساور الخرز والسُكسُك لليد والرقبة بالإضافة للملابس ذات الألوان المزركشة حتى يحين موعد المباراة، فتشارك قبل المباراة في تجهيره بنزع ثيابه عنه إلا ما يستر عورته وهي تغني له الأغاني لتحميسه.
قوانين وعقوبات اجتماعية
في حال فوز اللاعب يمنح قبيلته الفخر والعزة فتنحر القبيلة الذبائح احتفالًا بفوز ابنها ويحصل اللاعب على الغرامة أو الرهان المُحدد قبل المباراة والذي يكون عادة إما من الحيوانات، ثور أو بقرة أو شاة أو خروف، أو من المواد التموينية، جوال سُكر أو دقيق.
ويدفع المهزوم الغرامة قبل أن يغادر الملعب وفي حال رفضه الدفع ينقلب ذلك التشجيع إلى تنفيذ عُرف عقوبة “التلجين” وهو عرف قديم بمعنى المُقاطعة الاجتماعية فترفض الصبايا رد تحية المهزوم في طرقات البلدة ورفض الحديث معه حتى يدفع ما عليه من غرامة.
ولكل لاعب هناك مُلازم له يُسمى السّباري وهو في مقام مدربه ويكون عادة لاعب سابق ومراقبه الذي يحدد جاهزيته للصُراعْ.
مستويات تنافسية
وينقسم الصُراع إلى مستويات تنافسية تبدأ بالأشبال ثم المحترفين ويكون التنافس جغرافيًا “بنظام القرى”.
كان يُسمي سابقًا بصراع الجمعية ويتم بين قبيلة وقبيلة أخرى ويحمل اسماً مختلفًا في كل مرة مثل صراع الجاموس، صراع الريكة صراع تلودي صراع البرام.
ومن أشهر اللاعبين، كسر الزريبة، توتو، حديفير، الكوي، سفنجة ويكتسب اللاعب لقبه وفق إيقاع سرعته في صرع الخصم.
اتحاد الخرطوم للمصارعة
لاحقًا وبعد انتقالها إلى الخرطوم عاصمة السودان، شهدت اللعبة قيام اتحاد الخرطوم للمصارعة والذي تكون في عام 2001 من 8 أندية وانحصرت مهامه في وضع القوانين والضوابط التي تنظم اللعبة وأنزلها على الاتحادات المحلية وتنظيم المباريات وجداولها.
الآن وبعد الهجرات الكبيرة لأهالي جبال النوبة بسبب الحرب في مناطقهم في السنوات الثلاثين الأخيرة وتمركزهم في أطراف العاصمة السودانية عادوا إلى عشقهم الأبدي، وبدأ اتحاد الخرطوم للمصارعة في تنظيم المباريات من جديد بشرق النيل وفق الضوابط القديمة التي اعتادوها.
جذبب المشاهدين الأجانب
وجذبت رياضة الصُراعْ العديد من الأجانب لمشاهدتها وأصبح من المألوف مشاهدة الأجانب نساءً ورجالًا على مقاعد حلبة أو ميدان الصُراع، مؤخراً قام اتحاد الخرطوم للمصارعة بتوحيد قواعد اللعبة وتضمينها في كُتيب وشرع في الاتصال بالمنظمات الرياضية الدولية للاعتراف بالصُراعْ كرياضة دولية حاضرة في المنافسات الأولمبية مستقبلًا تحت اسم مصارعة النوبة.
ولم تجذب مصارعة النوبة الأجانب لمصاطب المشاهدة فقط؛ لكن الدبلوماسي الياباني ياسوهيرو موراتاتسو صاحب 33 عامًا شارك كلاعب أربع مرات أملًا في الفوز، ولكنه كان يخفق في كل مرة، وقد نازل الدبلوماسي الياباني مصارعي النوبة بضاحية “الحاج يوسف” في حضور السفير الياباني بالخرطوم، قائلًا إنه قصد من خلال تباريه مع المصارعين المحليين، جذب انتباه العامة إلى المصارعة السودانية التقليدية العريقة، حيث تحدى موظف السفارة اليابانية مصارعين أشداء من النوبة تغلبوا جميعهم عليه.






