التيدينيت والآردين والنيفارة..ألحان من عمق الصحراء.. تنقل التراث الثقافي للشعب الموريتاني

كتبت – د. هيام الإبس
تعد الموسيقى الشعبية الموريتانية جزءاً أصيلاً من التراث الثقافي للشعب الموريتاني، وتعتبر إحدى وسائل التعبير الفني التي تروي حكايات المجتمع الصحراوي وتبرز تاريخه وقيمه، و تعكس الموسيقى الشعبية الموريتانية أسلوب حياة البدو، وتحمل في طياتها رموزاً عميقة تروي قصص الحب والحرب والصداقة والشجاعة، وتوثق حكايات الأجداد ومغامراتهم في بيئة صحراوية قاسية، حيث تدمج الموسيقى الشعبية الموريتانية بين الشعر واللحن في توازن فني مميز يلامس أرواح مستمعيها.
ويتميز الشعب الموريتاني بتنوع كبير في الأنشطة الموسيقية، يعكس التنوع العرقي والاجتماعي في البلاد، حيث تتداخل الثقافات المختلفة لتشكل هوية موسيقية فريدة.
جذور الموسيقى الموريتانية وتاريخها
تمتد جذور الموسيقى الموريتانية إلى مئات السنين، حيث تطورت من خلال تفاعل الشعب الموريتاني مع بيئته الصحراوية وطبيعته الاجتماعية، وكانت الموسيقى في البداية تعتمد على أصوات الطبيعة مثل صوت الرياح، وألحان الصحراء، ونبضات قلوب الجِمال والخيل.
ومع مرور الوقت، تطورت هذه الموسيقى وأصبحت تأخذ شكلاً أكثر تنوعاً، حيث تأثرت بالتبادل الثقافي مع الحضارات المجاورة مثل الأندلس وإفريقيا.
أهمية الموسيقى في المجتمع الموريتاني
تحتل الموسيقى مكانة خاصة في المجتمع الموريتاني، حيث ترافق الناس في مناسباتهم الاجتماعية والدينية.
و تعتبر الموسيقى وسيلة للتعبير عن الفرح والحزن، وتعد جزءًا لا يتجزأ من حفلات الزفاف، والمناسبات القبلية، والاحتفالات الوطنية، كما تستخدم الموسيقى في الشعر الملحون والشعر الحساني، لتعبر عن القيم الثقافية والاجتماعية للمجتمع وتؤدي دوراً حيوياً في نقل الحكمة والتراث من جيل إلى آخر.
الآلات الموسيقية التقليدية الموريتانية
التيدينيت
التيدينيت هي آلة وترية تقليدية تشبه العود، تعتبر من أقدم الآلات الموسيقية الموريتانية، يُعتقد أن أصلها يعود إلى قبائل الطوارق، وتُستخدم غالباً في عزف الموسيقى التقليدية، ويتميز صوت التيدينيت بعمق وتأثير عاطفي كبير، ويعبر عن ملامح البيئة الصحراوية وقسوة الحياة فيها.
الآردين
الآردين هو آلة وترية أخرى تُستخدم بشكل واسع في الموسيقى الموريتانية، وتتميز بكونها آلة تُعزف بواسطة النساء، وترتبط الآردين بالأغاني الشعبية التقليدية، وتستخدم بشكل خاص في الاحتفالات العائلية، وتضفي ألحانها أجواءً دافئة على السهرات الاجتماعية.
النيفارة
النيفارة هي آلة نفخ تقليدية تعتمد على قصبة من القصب أو الخشب، وتُستخدم بشكل خاص في الاحتفالات والمناسبات القبلية، يتميز صوت النيفارة بالنغمة الحادة التي تجذب الانتباه، وتعتبر من الآلات المرافقة للموسيقى الحسانية.
إيكاون
وتعتبر موسيقى “إيكاون” أو الموسيقى الحسانية من أبرز الأنماط الموسيقية في موريتانيا، حيث تجمع بين التأثيرات العربية والإفريقية. وتعكس هذه الموسيقى حياة الصحراويين وتاريخهم، وتستخدم فيها آلات موسيقية تقليدية مثل التيدينيت، التي تشبه العود، وتعتبر رمزاً للثقافة الموريتانية.
الموسيقى الحسانية
الموسيقى الحسانية هي نوع من الموسيقى الشعبية يعتمد على الشعر الحساني، وهو شعر بدوي يستند إلى أوزان وإيقاعات خاصة، وتعبر الموسيقى الحسانية عن حياة البدو وتفاصيل حياتهم اليومية، وتستخدم كوسيلة للتعبير عن الفرح والحزن والغزل، حيث يتم أداء الموسيقى الحسانية باستخدام الآلات التقليدية مثل التيدينيت والآردين، وتتميز بالألحان الهادئة والعميقة التي تلامس الروح.
التنوع العرقي والموسيقي
ويتكون الشعب الموريتاني من عدة مجموعات عرقية رئيسية، تشمل البيظان، التكرور، السراغلة، والوولف. كل مجموعة تمتلك ثقافتها الخاصة، مما يساهم في تنوع الأنشطة الموسيقي، يتميز كل عرق بآلات موسيقية خاصة وأشكال غنائية تعكس مهنهم الاجتماعية، مثل غناء الفلاحين والرعاة والصيادين
الموسيقى الوجدانية
الموسيقى الوجدانية هي نوع من الموسيقى الشعبية التي تُعبر عن المشاعر العميقة مثل الحب والفراق والشوق.
ويتميز هذا النمط بالألحان الهادئة والكلمات الشعرية التي تتناول قضايا الحياة والعلاقات الإنسانية. يستخدم في الموسيقى الوجدانية الآلات الوترية بشكل خاص، ويعتبر من الأنماط الموسيقية التي تحظى بشعبية كبيرة بين الشباب.
الموسيقى الاحتفالية
الموسيقى الاحتفالية تتضمن ألحانًا سريعة وإيقاعات قوية تُستخدم في المناسبات الاجتماعية كالأفراح والاحتفالات الوطنية، ويتم استخدام الآلات الإيقاعية بشكل كبير في هذا النمط، مثل الطبول والزغاريد، مما يضفي طابعًا مميزاً على هذه الموسيقى ويشعل الحماس لدى الحاضرين.
ويقسم الموريتانيون موسيقاهم في سلم موسيقى في نغمات خماسية متناسقة ذات قوانين منضبطة من أربع درجات كل درجة تسمى بحرا وكل بحر ينقسم إلى ثلاث جوانب (طرق) بما مجموعه : 12 نغمة كاملة
الموسيقى و تعزيز الهوية الثقافية
تعتبر الموسيقى الشعبية وسيلة فعالة لتعزيز الهوية الثقافية للشعب الموريتاني، فهي تعكس القيم والتقاليد وتعمل على الحفاظ على التراث الثقافي. تساعد الموسيقى الشعبية على تعزيز الشعور بالانتماء بين أبناء المجتمع، وتذكرهم بجذورهم وتاريخهم، كما تُعتبر وسيلة للتعرف على حياة الأجداد وتجاربهم.
التحديات التي تواجه الموسيقى الموريتانية
رغم الثراء الثقافي الذي تمتلكه الموسيقى الموريتانية، إلا أنها تواجه تحديات عديدة. من أبرز هذه التحديات العولمة التي تفرض على الشباب التوجه نحو الموسيقى الغربية، بالإضافة إلى ضعف التوثيق وتناقص الاهتمام بتعليم الموسيقى التقليدية للأجيال الناشئة. كما أن قلة الدعم المادي والاهتمام الرسمي يعدان من أكبر التحديات التي تواجه الموسيقى الشعبية في موريتانيا.
آفاق الموسيقى الشعبية الموريتانية في المستقبل
يتزايد الاهتمام بالموسيقى الشعبية الموريتانية في الفترة الأخيرة، خاصة مع توجه بعض الفرق الموسيقية الشابة لإعادة تقديم التراث بلمسة عصرية. كما أن وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي أصبحت تُسهّل نشر الموسيقى التقليدية والتعريف بها على نطاق أوسع. يُتوقع أن تستمر الموسيقى الشعبية في التطور والتأقلم مع المتغيرات، مما يتيح لها الفرصة للازدهار والبقاء كجزء من التراث الموسيقي العربي.
إن التنوع الموسيقى فى موريتانيا ليس مجرد تعبير عن الفنون، بل هو تجسيد للهوية الثقافية للشعب، حيث تتداخل العناصر المختلفة لتشكل لوحة غنية تعكس تاريخهم وتجاربهم الحياتية.
فالموسيقى الشعبية الموريتانية ليست مجرد ألحان تعزف، بل هي نبض حياة وأغنية تروي حكاية شعب وأمة. من خلال هذه الموسيقى، يمكننا فهم ثقافة الشعب الموريتاني وتاريخه، وتقدير القيم التي كانت ولا زالت تحكم حياته اليومية. وبالرغم من التحديات، يبقى الأمل في أن يتم توثيق هذا التراث الموسيقي الثري، وحفظه ليظل جزءًا من الهوية الثقافية للشعب الموريتاني، ويواصل إلهام الأجيال القادمة.






