فضيحة ملفات ابستين و “تضخم عتبة اللذة”

كتب/ محمد علي يوسف.
السؤال المحير حقا حين تطالع الملفات المفرج عنها والوقائع المروية عن الجزيرة المشبوهة إبستين ؛ هو: لماذا؟
لماذا يتورط أثرياء العالم وأساطينه ممن يملكون كنوز الأرض، والمشاهير الذين دانت لهم الرقاب، في مستنقعات قذرة ومقززة نأنف حتى من مجرد سردها؟
ألم يكن “الحلال” الفاخر، أو “الحرام” العادي (إن تجوزنا في وصف الحرام بالعادي) ألم يكن كل ذلك كافياً لإمتاعهم؟
الإجابة يا صديقي تكمن في قانون نفسي مخيف يمكنك تسميته بـ”تضخم عتبة اللذة”.
النفس البشرية إذا أُطلِق لها العنان في الشهوات، تصاب بمرض يشبه “إدمان المخدرات”.
في البداية، تكفيك الجرعة الصغيرة لتشعر بالنشوة لكن مع “الوفرة المطلقة” والقدرة على شراء كل شيء، تفقد الأشياء العادية طعمها.
الطعام الفاخر سيصبح عادياً، والنساء الجميلات سيصبحن عاديات وربما مملاّت، والرفاهية ستصبح روتيناً لا قيمة له.
وهنا يحدث الكسر..
سوف تبدأ النفس في البحث عن “جرعة أكبر”.. عن شيء “أشد تطرفاً” لكسر حاجز الملل.
فتنتقل من المباح، إلى المكروه، إلى الحرام، ثم إلى “الخرق الشاذ والمختلف”..
ثم إلى “التوحش”.
رحلة سقوط حر في بئر لا قاع لها.
القرآن لخص هذه الحالة النفسية التي قد تبدو معقدة في عبارة واضحة تصف الطمع البشري في كسر الحدود
{بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ}.
تأمل اللفظ “يفجر”
كلمة تدل في أصلها على التفتح والتشقق والانبعاث..
ومنها الانفجار الذي لا يمكن أن تخطيء وقعه أذن
ثم اللفظ (أَمَامَهُ).
هو لا يريد الفجور فقط الآن..
هو يريد أن يفتح الطريق للفجور بلا نهاية،
بلا سقف،
بلا رادع ديني أو أخلاقي.
يريد أن يزيح كل الحواجز “أمامه” وليستمر في التوغل.
هنا تكمن الخدعة الكبرى التي نقع فيها دون أن نشعر حين نتصور أن “الثراء” لابد أن يروي العطش..
بينما الحقيقة أن الشهوات المادية مثل “ماء البحر”؛ كلما شربت منها، ازددت عطشاً.
إن فراغ الروح لا يملؤه مال، ولا يشبعه جسد، ولا ترممه متعة.
الروح نفخة من الله.. معدة للخلود في اللانهاية.. في الجنة.
وما أُعد للانهائي لا يمكن أن يملأه شيء محدود من دنيا أو مال أو شهوة..
الشيء الوحيد الذي يملأ عين الإنسان وروحه، ويشعره بالشبع الحقيقي، هو أن يتصل بمصدر روحه..
وما دون ذلك.. هو جوع أبدي، ولو أكل الدنيا بأسنانه أو سكن ألف جزيرة كتلك الجزيرة الملعونة.



