الجيش السودانى يغير موازين الحرب ويقترب من قلب مناطق الدعم السريع فى كردفان ودارفور

كتبت – د. هيام الإبس
شهدت ولاية جنوب كردفان تحولات ميدانية وسياسية مهمة بعد تمكن الجيش السوداني، الثلاثاء، من فك الحصار المفروض على مدينتي كادقلي والدلنج، اللتين كانت تحت سيطرة قوات الدعم السريع والجيش الشعبي-شمال لأكثر من عامين.
هذه التطورات تفتح الباب أمام إعادة رسم خريطة الصراع في السودان، وسط تزايد المخاطر الإنسانية ونزوح جماعي للسكان.
بداية الطريق لتحرير الفاشر
أعلنت القيادة العامة للجيش السوداني فتح الطريق الرابط بين كادقلي والدلنج بعد ما وصفته بـ “ملحمة بطولية”، مشيرة إلى تكبد قوات الدعم السريع خسائر بشرية ومادية كبيرة. هذا التقدم، الذي جاء بشكل سريع ومفاجئ، يتيح للجيش السوداني:
• تأمين بقية المدن الاستراتيجية في كردفان، وعلى رأسها مدينة الأبيّض شمال الإقليم.
• التقدم غرباً نحو غرب كردفان ودارفور، ما يضع الجيش في موقع القوة أمام الميليشيات المسلحة.
• تعزيز موقفه السياسي التفاوضي في أي حل مستقبلي، من خلال السيطرة الميدانية على مناطق استراتيجية.
وزير المالية السوداني، جبريل إبراهيم، وصف فك حصار مدن كردفان بأنه “بداية الطريق لتحرير الفاشر والجنينة ونيالا”، مشيراً إلى أن العملية العسكرية تمثل خطوة أساسية في استعادة الدولة للسيادة على الأراضي السودانية.
ردود قوات الدعم السريع والميليشيات
من جانبها، قللت قوات الدعم السريع من شأن تقدم الجيش، مؤكدة أن مواقعها الرئيسية في جنوب كردفان لم تتغير، وأن فتح الطريق بين كادقلي والدلنج لا يعني فك الحصار الكامل.
المستشار بقوات الدعم السريع، عمران عبد الله، قال إن قواتهم تمتلك القدرة على إعادة إطباق الحصار إذا لزم الأمر، مشيراً إلى استخدام طرق وعرة ومسارات سرية أدت إلى التقدم الجزئي للجيش.
هذه التصريحات تشير إلى أن الحرب في جنوب كردفان قد تدخل مرحلة جديدة من المواجهة المباشرة، مع احتمالية استخدام تكتيكات هجومية جديدة بما في ذلك الطائرات المسيّرة لتعطيل تحركات الجيش السوداني.
الأبعاد السياسية للحرب
السياسة السودانية تواجه تحدياً مزدوجاً:
• على مستوى الدولة، يسعى الجيش لإعادة فرض سيطرته على مناطق النزاع قبل أي مبادرة سياسية أو هدنة.
• على المستوى الدولي، تحاول “الرباعية” الدولية (السعودية، الولايات المتحدة، مصر، الإمارات) الضغط نحو حل سياسي لتجنب التصعيد، لكن الانتصارات الميدانية للجيش تجعل المفاوضات أكثر تعقيداً.
رئيس مجلس السيادة السوداني، عبد الفتاح البرهان، أكد أن أي هدنة لن تكون مقبولة إذا أسهمت في تقوية قوات الدعم السريع، مؤكداً على أن دماء الشعب السوداني وتضحياته هي المرجعية لأي قرار سياسي.
الأزمة الإنسانية وخطر النزوح
مع استمرار الحرب، تواجه مناطق جنوب كردفان وضعاً إنسانيًا “خانقًا”:
• نصف سكان الدلنج (حوالي 117 ألف نسمة) نزحوا، بينما يبقى آخرون عالقين دون مساعدات.
• أكثر من 80% من سكان كادقلي فرّوا من منازلهم.
• الأمم المتحدة وصفت جنوب كردفان بـ “المنطقة الأكثر خطورة وعزلة” في السودان بعد الفاشر.
مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في السودان، لوكا رندا، حذر من أن “الأوضاع تجعل حياة السكان غامضة وغير مؤكدة، والمساعدات الإنسانية يجب أن تتركز في هذه المناطق فوراً”.
المجلس النرويجي للاجئين وصف الوضع بأنه “مأساة تتجه نحو كابوس حقيقي إذا لم يتم التدخل الدولي عاجلًا”.
السيناريوهات المستقبلية
الحل العسكري
قد يستمر الجيش السوداني في التقدم غرباً نحو دارفور، في محاولة لتأمين مناطق استراتيجية والحد من نفوذ الدعم السريع، خصوصاً في الأبيّض وغرب كردفان.
هذا السيناريو قد يؤدي إلى تصعيد كبير في الصيف المقبل، مع مخاطر إضافية على المدنيين.
الحل السياسي
مع تراجع فرص التوافق السياسي، قد تضطر الرباعية الدولية إلى تقديم مبادرات للوساطة، لكنها ستكون مرهونة بتقدم الجيش على الأرض، وهو ما قد يزيد من صعوبة التوصل إلى اتفاق شامل، خصوصاً مع استمرار الدعم الإقليمي لقوات الدعم السريع.
فتح الحصار عن كادقلي والدلنج يمثل نقطة تحول استراتيجية للجيش السوداني، لكنه يضع البلاد أمام معادلات صعبة تشمل موازين القوة العسكرية، فرص التفاوض السياسي، وخطر كارثة إنسانية في جنوب كردفان ودارفور.
تظل العاصمة الخرطوم ومؤسسات الدولة أمام اختبار جديد في ضبط المسار السياسي والحد من التدهور الإنساني، في ظل استمرار الصراع العسكري ومواجهة تحديات الدعم الدولي والمحلي.





