الوجه الخفي لألعاب الموبايل:المتعة الرقمية بوابة لاختراق عقول أطفالنا

بقلم / الدكتورة هناء خليفة
في عصر الإعلام الجديد، لم تعد الألعاب الإلكترونية مجرد وسيلة للترفيه، بل أصبحت صناعة ضخمة، تُدار بعقلية تجارية ونفسية معقّدة، تستهدف عقول الأطفال والمراهقين قبل أوقاتهم.
*كيف تُصمَّم الألعاب لإدمان المستخدم؟
خلف كل لعبة ناجحة، فريق كامل من خبراء البرمجة، وعلم النفس، والتسويق الرقمي، هدفهم الأساسي ليس تسلية الطفل… بل إبقاءه أطول وقت ممكن داخل اللعبة، ويتم ذلك عبر أدوات مدروسة، منها:
▪️نظام المكافآت المفاجئة
▪️المستويات المتدرجة التي تثير التحدي
▪️الإشعارات المستمرة
▪️الشعور بالإنجاز الوهمي
▪️المنافسة مع الآخرين
كل هذه العناصر تُحفّز الدماغ على إفراز “هرمون السعادة”، فيرتبط الطفل نفسيًا باللعبة، ويصعب عليه التوقف عنها…وهنا يبدأ الإدمان الرقمي.
*التحديات الإلكترونية… بوابة الخطر
خلال السنوات الأخيرة، ظهرت موجات من “تحديات الألعاب” التي تنتشر عبر الإنترنت، وتستهدف المراهقين بشكل خاص، بعض هذه التحديات يدفع إلى العزلة، يشجع على السلوك العدواني، يروّج لإيذاء النفس، أو يفرض مهام خطيرة مقابل نقاط افتراضية.
الخطورة الحقيقية أن الطفل لا يتعامل مع هذه التحديات كخطر، بل كـ”مغامرة” أو “بطولة رقمية”، دون إدراك لعواقبها النفسية أو الجسدية.
*كيف تُستخدم الألعاب لاختراق الهواتف؟
ليست كل الألعاب آمنة كما تبدو، بعضها يطلب صلاحيات غير مبررة مثل الوصول للكاميرا، الميكروفون، جهات الاتصال، الموقع الجغرافي، الملفات الشخصية.
ومع ضغطة “موافق” واحدة، يصبح هاتف الطفل نافذة مفتوحة أمام جهات مجهولة.
في بعض الحالات، تُستخدم هذه البيانات في الابتزاز الإلكتروني، التجسس، سرقة الحسابات، التلاعب النفسي، أو توجيه محتوى غير مناسب.. وهنا يتحول اللعب من متعة إلى تهديد مباشر للأمن الرقمي للأسرة.
*التأثير النفسي والاجتماعي الخفي
خطر الألعاب لا يقتصر على الاختراق فقط، بل يمتد إلى شخصية الطفل نفسها، ومن أبرز هذه الآثار ضعف التركيز، العصبية الزائدة، اضطرابات النوم، الانعزال الاجتماعي، ضعف الحوار الأسري، وتراجع التحصيل الدراسي.
ومع الوقت، قد يفقد الطفل قدرته على الاستمتاع بالحياة الواقعية، ويستبدلها بعالم افتراضي أكثر إغراءً… وأقل أمانًا.
*أين دور الأسرة والمؤسسات؟
مواجهة هذا الخطر لا تعني منع التكنولوجيا، بل ترشيد استخدامها.
ويتحقق ذلك عن طريق:
١- داخل الأسرة: من خلال المتابعة الواعية دون تجسس، الحوار المستمر، تحديد أوقات استخدام الهاتف، تحميل الألعاب من مصادر موثوقة، وتعليم الطفل ثقافة الخصوصية.
٢- دور المدرسة والإعلام: من خلال برامج توعوية، مناهج رقمية حديثة، حملات إعلامية منتظمة، وتدريب الأطفال على التفكير النقدي.
نحن بحاجة إلى “تربية رقمية” تواكب العصر، لا تهرب منه.
وختاماً..الوعي خط الدفاع الأول
في عالم الإعلام الجديد، لم يعد الخطر يأتي من الخارج فقط، بل قد يكون داخل هاتف صغير في يد طفل.
ألعاب الموبايل ليست شرًا مطلقًا، لكن تجاهل وجهها الخفي هو الخطر الحقيقي، نحن لا نحمي أبناءنا بمنعهم، بل بتوعيتهم.
ففي زمن الحروب الرقمية يظل الوعي هو خط الدفاع الأول، والأسرة هي الحصن الأخير.




