فاتح إفريقيا الجديد (4): حين لا يكون الفقر مشكلة… بل نتيجة

بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير
الفقر لا يولد، ولا ينزل من السماء، ولا يسكن القارات بالمصادفة.
الفقر يُصنَع.. ويُعاد إنتاجه بذكاء بارد، وبخطابات إنسانية ناعمة، وبعالم قرر أن يستهلك أكثر مما يُنقذ، وأن يستثمر أكثر مما يرحم، وأن يتفرج أكثر مما يتدخل.
منظومة كاملة تُنتج البؤس
الفقر في إفريقيا ليس عيبًا في الأرض، بل العيب في النظام العالمي الذي تعامل معها كمخزن موارد، لا كحياة بشرية.
عبد الرحمن السميط فهم ذلك من الأيام الأولى.
لذا لم يدخل إفريقيا بعين السائح، ولا بعين المتبرع، ولا بعين الواعظ الذي يحمل إجابات جاهزة.
دخلها بعين الإنسان الذي قرر أن يرى الحقيقة كاملة… مهما كانت موجعة.
لم يرَ الجوع كأزمة طعام فقط، ولا المرض كمشكلة دواء، ولا الجهل كغياب مدرسة أو معلم. رأى منظومة كاملة تُنتج البؤس، ثم تُجمّله، ثم تبيعه للعالم على هيئة “مساعدات” ففي القرى التي دخلها السميط، لم يكن الأطفال يبكون دائمًا وهذا ما كان يخيفه أكثر لأنه من اعتاد الألم لا يحتاج إلى أن يشتكي.
فقد أصبح الجوع عاديًا، والمرض تحول إلى جزء من الروتين، حين يكبر الطفل وهو يعرف معنى الموت قبل أن يعرف معنى الحلم… فهنا لا نتحدث عن فقر، بل عن انهيار أخلاقي عالمي.
كان يرى نساءً يحملن الماء لمسافات أطول من أعمار أحلامهن.
ورجالًا يعرفون الموت أكثر مما يعرفون الغد.
وأطفالًا لا يسألون: لماذا نحن فقراء؟
لأن السؤال نفسه يحتاج طاقة… وهم لا يملكونها.
هنا تسقط الخطب وتبهت الشعارات وتبدو الكلمات الكبيرة فارغة.
ولا يبقى إلا سؤال واحد، مباشر، وجارح: ماذا يعني أن تكون إنسانًا في عالم لا يسمح لك بهذا؟
افريقيا تحتاج العدالة وليس الشفقة
إفريقيا التي رآها عبد الرحمن السميط لم تكن بحاجة إلى شفقة كانت بحاجة إلى عدالة.
والفرق بينهما كبير، وقاسٍ.
الشفقة تُنقذك نفسيًا، تُشعرك أنك “جيد”، ثم تسمح لك أن تعود إلى حياتك كما هي.
أما العدالة، فهي تُتعبك تُلزمك تجبرك أن تعيد ترتيب أولوياتك، ونمط حياتك، وتعريف نجاحك كله.
اكتشف أن أخطر ما في الفقر ليس الجوع، بل كسر الكرامة حين يشعر الإنسان أنه غير مرئي، وغير مهم.
ومن هنا فهم سرًّا عميقًا لا يُدرَّس في المناهج: لا يمكنك أن تدعو إنسانًا إلى الإيمان، وأنت تتركه يشعر أنه بلا قيمة.
الإيمان لا يولد في بطنٍ جائعة، ولا في روحٍ مهانة، ولا في إنسانٍ يشعر أن العالم كله تخلى عنه.
لهذا لم يبدأ بالكلام بدأ بالفعل.
إعادة الإنسان إلى نفسه
بدأ بإعادة الإنسان إلى نفسه أولًا، بأن يقول له دون خطب: أنت تستحق الحياة، قبل أي شيء آخر.
إفريقيا لم تكن اختبارًا لقدرة السميط على التحمل، بل اختبارًا لصدق فهمه للدين.
وهناك، في أكثر الأماكن قسوة، تعلّم ما لم نتعلمه نحن في أكثر الأماكن رفاهًا:
أن الدين الذي لا يحمي الإنسان… يفقد حقه في أن يُسمع.
عبد الرحمن السميط لم يرَ إفريقيا بعين الزائر العابر، ولا بعين الممول، بل بعين من أدرك أن العالم مختل… وأن الصمت مشاركة في الجريمة.
ولهذا لم يعد كما ذهب لأن من يرى الحقيقة كاملة، إما أن ينكسر، أو يختار أن يُصلح.
الطريق الصعب
وهو اختار الطريق الأصعب: أن يبقى إنسانًا، في عالم تعلّم أن يتعايش مع الظلم… ويسميه واقعًا.
لذا ربما لهذا تُربكنا سيرة عبد الرحمن السميط لأنها لا تطلب منا الإعجاب، بل المواجهة.
لا تسألنا: هل تأثرت؟
بل تسألنا السؤال الذي نهرب منه جميعًا: ماذا فعلتَ أنت… بعدما عرفت؟
إفريقيا لم تكن بعيدة عنه نحن من جعلناها بعيدة عنا.
والفقر هناك لم يكن قدرًا، بل نتيجة… ولا تزال النتيجة قائمة، ما دام العالم يفضّل الراحة على العدالة، والصمت على الفعل، والمشاهدة على الإنسانية وهي تُستنزف ببطء.
ولو كان لعبد الرحمن السميط رسالة أخيرة، فلن تكون خطابًا، بل هذا السؤال وحده:
هل ما زلتَ إنسانًا… أم أنك اعتدت المشهد؟
واجعل شعارك
(الأثر لا يُقاس بما يُقال… بل بما يبقى)
فكن أنت الفاتح الجديد
السفير د. أحمد سمير
عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة
السفير الأممي للشراكة المجتمعية
رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية







