فاتح إفريقيا الجديد (5) .. الدعوة إلى الله بلا مكبر صوت

بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير
يقول الداعية د. عبد الرحمن السميط رحمه الله: كنت أقف ذات يوم فسمعت بكاء سيدة إفريقية ونحيبها وتوسلاتها لأحد الأطباء القائمين على مساعدة الأطفال الصغار وعلاجهم في بعثتنا في إفريقيا.
وللحق تأثرت لشدة إصرارها وتمسكها بتحقيق مطلبها، فتحدثت مع الطبيب، فقال لي :
رضيع في حكم الميت
إن ابنها الرضيع في حكم الميت، ولن يعي، وهي تريدني أن أضمه إلى الأطفال الذين سنرعاهم.! والمال الذي سننفقه على طفلها لا فائدة له، إنه طفل لن يعيش إلا أياماً معدودات، والمال أولى به غيره..
قال السميط: نظرت إليّ الأم والطبيب يحكي لي بنظرات توسل واستعطاف.. فقلت للمترجم: اسألها كم تحتاج من المال كل يوم؟ فأخبرته بالمبلغ، ووجدته قليلاً جداً، يساوي ثمن مشروب غازي في بلدي.!!
فقلت: لا مشكلة سأدفعه من مالي الخاص، وطمأنته.. فأخذت المرأة تريد تقبيل يدي، فمنعتها..
وقلت لها: خذي هذه نفقة عام كامل لابنك، وعندما تنفد النقود أشرت إلى أحد مساعديَّ سيعطيك ما تحتاجينه، ووقعت لها صكاً لتصرف به المبلغ المتفق عليه..
تمر الشهور والسنوات – وللحق أنا اعتبرته فعلاً طفلاً ميتاً وما فعلته كان فقط لكي أهدئ الأم المسكينة، وأجبر خاطرها، لاسيما أنها حديثة عهد بالإسلام وقد نسيت الموضوع برمته.!!
رضيع على وشك الموت يصبح داعية
وبعد أكثر من “12 عاماً” كنت في المركز، وحضر لي أحد الموظفين، وقال لي:
هناك سيدة إفريقية تصر على لقائك، وقد أتت عدة مرات، فقلت له: أحضرها …!
فدخلت سيدة لا أعرفها، ومعها طفل جميل الوجه هادئ، وقالت لي: هذا ابني عبد الرحمن، وقد أتم حفظ القرآن، والكثير من أحاديث الرسول -صل الله عليه وسلم- ويتمنى أن يصبح داعية للإسلام معكم.
تعجبت وقلت لها: ولماذا تصرين على هذا الطلب مني؟!!
ولم أكن أفهم شيئاً.. ونظرت إلى الطفل الهادئ، فوجدته يتحدث اللغة العربية بهدوء، وقال لي: لولا الإسلام ورحمته ما كنت أنا أعيش وأقف بين يديك، فقد حكت لي أمي قصتك معها، وإنفاقك علي طوال مدة طفولتي.. وأريد أن أكون تحت رعايتك، وأنا أجيد اللغة الإفريقية وأعرفها تماماً، وأحب أن أعمل معكم كداعية للإسلام، ولا أحتاج سوى الطعام فقط، وأحب أن أسمعك تلاوتي للقرآن.
وأخذ يتلو آيات من سورة البقرة بصوت شجي، وعيناه الجميلتان تنظران لي متوسلة أن أوافق.. وهنا تذكرت وقلت لها: هل هذا هو ذلك الطفل الذي رفضوا ضمه إلى الرعاية؟ فقالت: نعم نعم …!
وعقَّب هو: لذلك أصرت أمي أن تقدمني إليك، بل وسمتني باسمك عبد الرحمن..
ثمن مشروب غازي يحيي نفساً
يقول د. السميط: قدماي لم تحملاني، خررت على الأرض وأنا شبه مشلول لهول الفرحة، والمفاجأة، وسجدت لله شكراً وأنا أبكي وأقول: ثمن مشروب غازي يحيي نفساً، ويرزقنا بداعية نحتاجه؟!
هذا الطفل أصبح من أكثر دعاة إفريقيا بين قبائلها شهرة، وقبولاً لدى الناس..
كم من صدقة قليلة حوَّلت حياة ناس كثيرين وجعلتهم سعداء، وكم من أموال ننفقها بلا طائل وبلا هدف كانت وبالاً علينا وعلى أمتنا …
فلسفة السميط في الدعوة إلى الله
من هذه الحكاية وغيرها كثير ظهرت فلسفة السميط في الدعوة إلى الله فلم يكن عبد الرحمن السميط خطيبًا مفوهًا ولم يحفظ الناس اسمه لأنه أجاد الجدل،
بل لأنهم رأوه يفعل ما يقول — أو بالأدق —رأوه يفعل قبل أن يقول.
ففي إفريقيا، اكتشف حقيقة صادمة: أن الجائع لا يسمع وأن المريض لا يجادل وأن الإنسان حين يُهان، يُغلق قلبه قبل أذنه.
لذلك، أسقط السميط الميكروفون مبكرًا لأنه لم يحتج إليه أصلًا.
فهم أن الدعوة التي تبدأ بالكلام، غالبًا تنتهي بالكلام.
أما الدعوة التي تبدأ بالفعل، فهي تترك أثرًا لا يُمحى.
حين حفر بئرًا، لم يكن يحفر في الأرض فقط كان يحفر في نظرة الناس إلى أنفسهم.
وحين بنى مدرسة، لم يكن يُلقّن أطفالًا كان يُنقذ مستقبلًا كاملًا من الضياع.
لم يقل لهم: هذا هو الإسلام، ولكنه تركهم يرونه.
وهنا حدث ما لم يكن محسوبًا في معادلات الخطاب الديني التقليدي.
الناس لم يسألوا عن العقيدة أولًا، سألوا عن السبب: لماذا تفعل هذا؟
وهذا السؤال، في ذاته، كان بداية الإيمان.
دعوة تحترم الإنسان، فتفتح له باب الاختيار
الدعوة بلا مكبر صوت لا تستفز، لا تُحاصر، لا تُحرج.
هي دعوة تحترم الإنسان، فتفتح له باب الاختيار بدل أن تدفعه إلى الزاوية.
كان السميط يعرف أن الإيمان الحقيقي لا يولد تحت الضغط، ولا ينمو في بيئة الإكراه
يولد حين يشعر الإنسان أنه مُقدّر، وأنه ليس وسيلة لإثبات صحة فكرة، بل غاية في ذاته.
لهذا، لم يكن الإسلام في تجربته “بديلًا دينيًا”، بل استعادة للكرامة أولًا وحين تستعيد كرامتك، تصبح مستعدًا أن تسأل عن المعنى.
كم أخطأنا حين ظننا أن ارتفاع الصوت دليل صدق، وأن كثرة الكلمات دليل حق.
وكم تجاهلنا أن أعظم الرسائل في التاريخ وصلت همسًا… لكنها غيّرت العالم.
عبد الرحمن السميط لم يكن داعية بالمعنى الشائع كان نموذجًا.
والنموذج حين يكون صادقًا أخطر على الباطل من ألف خطاب.
في إفريقيا، لم ينتصر الإسلام لأنه دافع عن نفسه، بل لأنه دافع عن الإنسان وحين يفعل ذلك، لا يحتاج إلى مكبر صوت… يكفي أن يُرى.
واجعل شعارك
(الأثر لا يُقاس بما يُقال… بل بما يبقى)
فكن أنت الفاتح الجديد
السفير د. أحمد سمير
عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة
السفير الأممي للشراكة المجتمعية
رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية




