الصراط المستقيم

أثر الصيام في التحرر من العادات واستعادة “القيادة الذاتية”

كتب – الدكتور أمين رمضان 

تستند هذه المقالة إلى الدراسة العلمية الحديثة حول “العادات في علم النفس وأثر الصيام في التحرر من العادات السيئة”، وتجمع بين العمق العلمي والأسلوب الصحفي.

هل تعلم أن ما يقرب من نصف يومك يمضي وأنت تعمل بنظام “الطيار الآلي”؟، أي بدون وعي. تشير التقديرات العلمية إلى أن نحو 50% من سلوكياتنا اليومية تتم بشكل آلي وتلقائي، دون اتخاذ قرار واعٍ. هذا النظام الموفر للطاقة في أدمغتنا، بقدر ما هو مفيد، فإنه يتحول إلى فخ عندما تترسخ لدينا عادات سلبية تعيق تطورنا أو تضر بصحتنا.

وهنا يبرز “الصيام” – وخاصة في شهر رمضان – ليس فقط كشعيرة تعبدية، بل كأداة “نيوروسيكولوجية” (عصبية نفسية) جبارة، تمنحنا فرصة نادرة لاستعادة زمام المبادرة في حياتنا، وتحطيم حلقات العادات المضرة الراسخة.

كيف تسيطر العادة على أدمغتنا؟

لفهم كيف يحررنا الصيام، علينا فهم كيف تأسرك العادة أولاً. تعتمد العادة على “حلقة” مكونة من ثلاثة عناصر أو مراحل: الإشارة (المحفز)، والروتين (الفعل)، والمكافأة (النتيجة). مع التكرار، تنتقل السيطرة على السلوك من منطقة الوعي إلى منطقة اللاوعي. في هذا الوضع، يصبح الدماغ “كسولاً”، وينفذ العادة بمجرد ظهور الإشارة أو المحفز دون تفكير. لكن الصيام يأتي ليقلب هذه المعادلة.

الصيام: “سماد” للدماغ وعملية تنظيف كبرى

يحدث الصيام تغييراً بيولوجياً مذهلاً يُعرف بـ “التبديل الأيضي”، حيث يتحول الجسم من حرق الجلوكوز إلى حرق الدهون (الكيتونات). هذا التحول ليس مجرد طاقة بديلة، بل هو إشارة لبدء عمليات صيانة دماغية شاملة:

  1. زيادة المرونة العصبية: يحفز الصيام إنتاج بروتين (BDNF)، الذي يعمل كـ “سماد للأعصاب”. هذا البروتين يعزز نمو خلايا جديدة ويجعل الدماغ أكثر قابلية للتشكيل، مما يسهل عملية “فك تعلم” العادات القديمة وبناء عادات جديدة.
  2. التنظيف: يُنشط الصيام عملية (الالتهام الذاتي)، حيث تقوم الخلايا بتنظيف نفسها، ويقوم الدماغ بالتخلص من الوصلات العصبية القديمة غير المفيدة، مما يضعف المسارات التي تدعم العادات السيئة.
  3. تطهير الدوبامين: يعاني إنسان العصر الحديث من “فرط تحفيز الدوبامين” بسبب السوشيال ميديا والأطعمة السريعة. يعمل الصيام كعملية “إعادة ضبط” لمستقبلات الدوبامين، مما يقلل من الرغبات القهرية ويجعلنا نستمتع بالأشياء البسيطة.

تعطيل “الطيار الآلي”

يعمل الصيام كـ “مقاطع” قوي لحلقة العادة. فمعظم عاداتنا (التدخين، القهوة الصباحية، الأكل العاطفي) مرتبطة بإشارات زمنية. الصيام يضع حاجزاً صارماً بين “الإشارة” (وقت القهوة مثلاً) وبين “الروتين” (شربها)، مما يكسر الارتباط الشرطي (بمعنى أن الساعة 7 ص مرتبطة بشرب فنجان القهوة) في الدماغ. تظهر دراسات الرنين المغناطيسي أن الصيام يزيد من نشاط “القشرة الجبهية” (المدير التنفيذي للدماغ)، مما يعني عودة القيادة إلى الوعي بدلاً من الغريزة. إنه ينقلنا من “الوضع الآلي” إلى “الوضع اليدوي”، مما يمنحنا التحكم بعجلة قيادة حياتنا.

رمضان: المختبر المثالي للتغيير

يمثل شهر رمضان بيئة مثالية لتغيير السلوك وفقاً لنموذج (COM-B) النفسي، حيث يوفر:

  • القدرة: يطور الصيام قدرتنا الجسدية والذهنية على التحمل.
  • الفرصة: يوفر الدعم الاجتماعي الجماعي، حيث يختفي المحيط الذي يشجع على العادات السيئة (مثل التدخين الجماعي).
  • الدافع: يربط التغيير بقيم عليا ووازع ديني داخلي، وهو أقوى أنواع الدوافع. وقد أثبتت الدراسات هذا الأثر، حيث أشارت أبحاث أجريت في المغرب ومصر إلى أن أكثر من 54% من المدخنين يحاولون الإقلاع في رمضان، وتنخفض مستويات النيكوتين في أجسامهم بشكل ملحوظ.

كيف تستثمر الصيام للتحرر؟ (خطوات عملية)

لتحقيق أقصى استفادة من هذه “النافذة البيولوجية” التي يفتحها الصيام، ينصح الخبراء بالآتي:

  1. استراتيجية الاستبدال: لا تحاول فقط “إيقاف” العادة، بل استبدلها. الدماغ لا يمسح المسارات القديمة بل يبني فوقها. استغل وقت الفراغ الناتج عن الامتناع عن الأكل في نشاط آخر (قراءة، مشي).
  2. اليقظة الذهنية: عندما تشعر برغبة ملحة، تذكر أنك صائم. هذه اللحظة من التذكر هي “تمرين وعي” يفصل بين المثير والاستجابة، ويعلمك أن الرغبة مجرد “موجة” ستمر وتنتهي.
  3. الأكل الواعي: الخطر الأكبر هو لحظة الإفطار. لا تجعلها نوبة نهم تعيد برمجة الدماغ على العادات القديمة. كل ببطء واسأل نفسك: هل أنا جائع أم مجرد معتاد؟

الصيام ليس مجرد حرمان، بل هو عملية “هندسة عكسية” للدماغ. إنه يعطل المسارات العصبية للعادات السيئة، وينشط مراكز القرار في الدماغ، ويعيد لك “السيادة” على نفسك. إن القدرة على قول “لا” للاحتياجات الجسدية الملحّة هي البوابة الأولى لقول “نعم” لمستقبل تختار فيه عاداتك بوعي وحرية وتصبح إنسان واعي.

وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الغاية العظمى في آية فرض الصيام:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) سورة البقرة: 183.

فـ “التقوى” هنا ليست مجرد شعور الخوف، بل هي حالة من “اليقظة” والتحكم الداخلي. إنها تلك الإرادة العازمة التي تستطيع أن تقول “لا” للمباحات حين يأمر الله، لتكون أقدر على قول “لا” للمحرمات في بقية الأوقات.

إن هذا الانضباط الدقيق يخرج الإنسان من “عبودية العادة” إلى “عبودية الله”. وحين يكون الإنسان عبدًا لله وحده، فإنه يتحرر من كل سلطان آخر، سواء كان سلطان الغرائز، أو سلطان العادات الاجتماعية، أو سلطان المادة. وبذلك، يعيد الصيام للإنسان “إنسانيته” الكريمة التي لا تصرعها شهوة، ولا تقيدها عادة، وهذا هو جوهر الحرية في الإسلام.

الدكتور / أمين رمضان

1 رمضان 1447 ه / 19 فبراير 2026 م

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى