أراء وقراءات

العودة إلى الذات ضرورة للسير في طريق الحق

بقلم التربوي / الشيخ محمد عرفة البهادي 

في الوقت الذي يتدافع الناس فيه على سفاسف الأمور، وتلهو عن دورها ومهمتها، وتنحرف البوصلة ويميلُ السّير عن الهدف..تدافع أنت على نفسك، لُمَّ شتات أمرك واجمع ما تبقّى منك واحفظ عليك قلبك، ودينك.. انشغل بالعِلم والتَّعلُّم والحِلم والتَّحلُّم، هذّب الصّبر ودرّب البصيرة، واصقل ألف سرٍّ فيك..علّه يسقيك.

ألَم ترَ أنّك أسيرُ هواك؟ كيفَ وأنت الذي خارت قواه عند أول خطوةٍ في المسير، وأنت الذي تركتَ أذكارَ صباحك فغادرتكَ لطائفُ الفجر، ونسيتَ مسجدَ الحَيّ طامحًا للأقصى، فلا خطوتَ إليه ولا أعددتَ لأقصى!..ذبُلتَ عن كلّ تدريبٍ ذهنيٍ وقلبيٍ وروحيٍ، فلا اتّخذت القرآن وِردًا ولا التاريخ سَردًا ولا الحديث بردًا وسلامًا على ما فيك..لاحَت لك رايةٌ بيضاءَ فاتّخذتَ منها رايتك..

اخرُج قليلًا من الانبهار بالشخوص، خُذ نَفسَكَ بعيدًا عن كل اعتياد، غادر كلّ ما ألِفتهُ عيناك، ارحل عن ذاتك المألوفة ساعةً وتأمّل خطاك..انظر جيدًا تحت قدميك، انظر أين وصلت؟ أين أنت مما تمنّيت؟ كيفَ حالُ قلبك؟ أما زلت على ذاكَ العهد؟ أما زلت تُردّد الحمد؟ كيف سرُّك مع الله؟ كيف اللّذة الخفيّة؟ ما الذي يشغلُكَ عنك؟ ما الذي يسحبُك بعيدًا عن كلّ ما خلقتَ لأجله؟ أنسيتَ أم أُنسيتَ نفسك؟ كيفَ أنت؟

أليس سيئًا أنك قتلت جُلّ أفكارك من أجل الناس ورؤاهم عنك ودربك؟ أليس سيئًا أنك تحترق ألف مرةٍ بالتفكير وعند العمل تتراخى قُواك..أليس سيئًا أن تربط نفسك بزائل لا ثبات فيه..ألستَ أحقَّ بالإحسان لذاتك حتى تُحسن للناس بلا انقطاع..أليس سيئًا أن تُشَيَّع جنازتك في السِّتين وأنت ميتٌ منذ انطفأت؟

في الوقت الذي تُسلّم فيه قيمتك لإعجاب الناس ورضاهم، ستبدأ رحلة التنازلات تأخذ مجراها، وسيطول ليلُك ويكثر انشغالك، وسبتدأ رحلة التفكير والقياس، والشعور بالوحدة والذنب، ما إن تفاعل الناس معك وشعرت بإقبالهم عليك انبَعَثَت فيك روحٌ جديدة وإن مالوا عنكَ مِلت، كُفّ عن بناء سفينةٍ مخروقة.. أنت أكبرُ من وهمٍ لا يصمُد ساعةً  أمام صلابة الحقّ..الحقّ أحقُّ أن يُتّبع. فاتّبع ولا تبتدع.

الذي يجعل منك مختلفًا غيرَ معتاد، أن تكون دائم الازدياد، أن تنظر للتفاصيل، أن تحمل همَّ الألف وأنت واحدٌ هُمام، أن تستبق الأحداث فكرًا وفي القلب ذكرًا، أن تذوبَ بقضيةٍ تأخذ ملامحك، تنصَبّ بكُلّك في مسار الهدف، أن تكون (متحرِّكًا مُحرّكًا) ما إن اتّخذت خطوتك وصلت غايتك، وإن لم تصل فأنت المُحاول! وحينَ تقوم يقوم معك ألف كتفٍ وقلب، لا تنسَ خلوتك، لا تترك غايتك، ابنِ من اليوم سفينتك، عُدّ شراعك جيدًا، صُفَّ الألواح جسدًا واحدًا، وامسك زمام الأمر إن الدرب لك.

(إنَّ إبراهيم كان أمّة) .. وأنت؟.

زر الذهاب إلى الأعلى