اليسر بين الشريعة الإسلامية وعلم النفس

كتب/ الدكتور أمين رمضان
في عالمنا المعاصر المتسارع، حيث تتزايد معدلات التوتر، والقلق، والاحتراق النفسي بشكل غير مسبوق، يبرز مفهوم “اليسر” كطوق نجاة لا غنى عنه. يعتقد البعض خطأً أن التيسير هو مجرد غياب للصعوبة أو ميل نحو الدعة والكسل، إلا أن التأمل العميق في أصول الشريعة الإسلامية ومقارنتها مع معطيات علم النفس الحديث يكشف لنا أن “اليسر” هو إطار كلي لتنظيم الوجود الإنساني، يهدف إلى تعظيم الفاعلية وتقليل الاستنزاف الحيوي للإنسان.
التأصيل التشريعي لليسر
تعتبر الشريعة الإسلامية أن التيسير ليس مجرد خيار استثنائي، بل هو صفة ذاتية للدين نفسه. فالإسلام في جوهره منظومة مبنية على مبدأ “رفع الحرج”، وهو ما يتفق تماماً مع الفطرة البشرية.
لقد استنبط الفقهاء قواعد كلية كبرى تعمل كممتصات للصدمات ومخففات للضغوط عن كاهل الإنسان، لعل أبرزها قاعدة “المشقة تجلب التيسير” وقاعدة “الضرورات تبيح المحظورات”. من منظور نفسي، تظهر هذه القواعد أن الشريعة تدرك الطبيعة البشرية المحدودة، وتتعامل مع الإنسان ككيان يتأثر بالمرض، والسفر، والضغوط، مما يقلل من شعوره بالذنب عند العجز ويعزز لديه “المرونة النفسية”.
تتجلى الفلسفة القرآنية العميقة لليسر بشكل واضح في تشريعات العبادات، وعلى رأسها فريضة الصيام. فعلى الرغم من أن الصيام يحمل في طياته مشقة بدنية بالامتناع عن الطعام والشراب والشهوة، إلا أن القرآن الكريم حرص على إرساء قاعدة التيسير في ذات السياق الذي فرض فيه الصيام.
يقول الله تعالى مبيناً رخصة الفطر للمريض والمسافر، ومؤسساً للقاعدة الكبرى في التشريع: {وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} (سورة البقرة: 185).
إن إعلان الله سبحانه وتعالى عن إرادته “اليسر” لعباده ونفي إرادة “العسر” في سياق العبادة، يمنح المؤمن أماناً نفسياً عميقاً. فعندما يضطر المسلم للأخذ بالرخصة، فإنه يفعل ذلك دون إحساس بالتقصير أو جلد للذات، لأن العقل البشري هنا يدرك أن المشرع رحيم به، مما يحميه من الاحتراق النفسي والجهد المستنزف.
يتقاطع مفهوم التيسير القرآني بشكل مذهل مع ما يُعرف في علم النفس الحديث بـ “السهولة المعرفية” (Cognitive Ease). فالعقل البشري مبرمج فطرياً للحفاظ على طاقته، ويميل نحو الأمور الواضحة واليسيرة.
عندما توفر الشريعة أحكاماً واضحة، وتمنح رخصاً ومخارج عند الضيق، فإنها تدخل المؤمن في حالة من السهولة المعرفية التي تترجم وجدانياً إلى “السكينة”. وعلى النقيض من ذلك، فإن التعسير، والتشدد، وما سماه الإسلام بـ “التنطع”، يفرض على العقل حالة استنفار دائم، مما يولد “إجهاداً معرفياً” (Cognitive Strain) يرفع مستويات هرمون الكورتيزول (هرمون التوتر)، ويؤدي بمرور الوقت إلى أمراض جسدية ونفسية كالاكتئاب والقلق.
مع العسر يسرين
اليقين النفسي في قلب العسر، من أعمق المفاهيم التي تجمع الشريعة وعلم النفس هي النظرة للأزمات والشدائد. يقول الحق سبحانه وتعالى في توجيه عام لبعث الأمل: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6)} (سورة الشرح: 5-6)، أي أنه مع العسر يسرين وليس يسراً واحداً، وهذا من فضل الله على عباده.
يلاحظ علماء النفس دقة التعبير القرآني باستخدام حرف المعية “مع”. فاليسر هنا ليس مجرد مرحلة زمنية تأتي بعد انتهاء العسر، بل هو “حالة إدراكية تصاحبه”. العسر يمثل الظرف المادي الخارجي (كالمرض أو الأزمة المالية أو تحديات الحياة الصعبة عموماً)، أما اليسر المصاحب له فهو حالة “انشراح الصدر” واليقين الداخلي بأن الله موجود لتفريج الكربة، مع الأخذ بالأسباب.
هذا المفهوم يعادل في علم النفس تقنية “إعادة التأطير المعرفي” (Cognitive Reframing). فالشخص الذي يؤمن بأن مع العسر يسرين وليس يسراً واحداً، يقوم بإعادة برمجة دماغه للتركيز على القوة الداخلية والمنح الإلهية الكامنة داخله، مما يمنعه من الشلل النفسي أمام المصيبة، ويحقق له ما يسمى بـ “النمو ما بعد الصدمة”.
تعتبر الرحمة بالنفس مخرج من سجن المثالية لقد سبق المنهج النبوي النظريات النفسية الحديثة بقرون عندما رفع شعار التيسير: “يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا”.
في مجتمعاتنا المعاصرة التي تضغط على الأفراد نحو “الكمال” والمثالية السامة، يحمينا الإسلام من سجن جلد الذات (Self-Criticism) من خلال مفهوم “الشفقة بالذات” (Self-Compassion). فالإسلام يعلمنا أن الخطأ والنسيان من طبيعة البشر، والمهم هو الاستغفار والعودة دون قسوة على النفس. هذه الرحمة بالذات، المستمدة من إدراك سعة رحمة الله، هي محرك أساسي للصمود؛ فهي تمنح الفرد طاقة للنهوض مجدداً بعد الفشل، بينما التعسير والجمود النفسي يؤديان إلى اليأس والانقطاع.
اليسر هو الفطرة
الخلاصة أن اليسر هو الفطرة، والعسر هو الطارئ الدخيل. عندما نتبنى “اليسر” كمنهج حياة؛ في فهمنا للدين، وفي تربيتنا لأبنائنا، وفي إدارتنا لأنفسنا، فإننا لا نطبق نصوصاً شرعية فحسب، بل نتصالح مع تكويننا البيولوجي والنفسي. إن دمج فهم مقاصد الشريعة مع معطيات علم النفس يثبت لنا أن الطريق إلى نهضة المجتمعات، وبناء نفوس مطمئنة وعقول مبدعة، يبدأ دائماً من الرحمة، ورفع الحرج، واليقين الراسخ بأن الله يريد بنا اليسر ولا يريد بنا العسر.
الدكتور / أمين رمضان
8رمضان 1447 هـ / 26 فبراير 2026 م
.




