أراء وقراءات

فاتح إفريقيا الجديد (6) الجوع في افريقيا… حين لا يكون قدرًا بل قرارًا

بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير

في إحدى سنوات المجاعة القاسية في شرق إفريقيا، كان عبد الرحمن السميط يقف في قرية أنهكها الجفاف والأرض متشققة، والهواء ثقيل، والوجوه أرهقها الانتظار.

اقتربت منه أم تحمل طفلًا بالكاد يتنفس لم تكن تبكي كانت ملامحها هادئة على نحوٍ مرعب قالت له: نحن لا نريد صدقة… نريد أن يعيش أطفالنا

في تلك اللحظة، لم يرَ السميط مجاعة رأى نظامًا مختلًا.
رأى عالمًا ينتج الغذاء بما يكفي للجميع، لكنه لا يوزّع ما يكفي ليحفظ كرامتهم.

الجوع في أفريقيا ليس قدرا 

يطلق الأغنياء على جوع الفقراء كلمة “قدر”، لأن القدر لا يُحاسَب، ولا يُدان، ولا يُسأل عن مسؤوليته فالقدر مريح والقدر يُعفيهم من الشعور بالذنب.

لكن عبد الرحمن السميط لم يؤمن بهذه الكذبة.

ففي القرى التي عاش فيها، لم يكن الجوع فكرة مجردة، ولا رقمًا في تقرير، ولا صورة في نشرة أخبار كان يرى الجوع يسير على قدمين.. كان له وجها وله اسمًا.
كان طفلًا يضع يده على بطنه بصمت ثم يموت في صمت

الجوع لا يولد وحده.
هناك من يصنعه.
هناك من يستفيد منه.
وهناك من يختار أن يتجاهله.

الجوع قرار بشري

العالم اليوم ينتج من الغذاء ما يكفي لإطعام الجميع، لكن ما يُنقَص ليس الطعام… بل العدالة وحين تُحجب العدالة، يتحول الجوع من مأساة طبيعية إلى قرار بشري.

عبد الرحمن السميط كان يرى أن أخطر ما في الجوع ليس فراغ المعدة، بل تآكل الأمل.
حين ينام الإنسان وهو لا يعرف إن كان سيجد طعامًا غدًا أم لا، حينها يفقد القدرة على التفكير، وعلى الحلم، وعلى التخطيط، بل وعلى الإيمان بالمستقبل.

كيف تطلب من جائع أن يصبر؟
وكيف تطلب من أمّ أن تُربّي وهي لا تملك ما تُطعِم؟
وكيف تطلب من طفل أن يتعلّم، وهو لا يعرف طعم الشبع؟

الجوع يقتل الجسد والأمل

فالجوع لا يقتل الجسد فقط الجوع يقتل الأمل، لهذا لم يتعامل السميط مع الجوع كحالة طارئة تُعالج بحملة موسمية.
ولم يره ظرفًا استثنائيًا يُغطّى بصور التبرعات.
رآه جريمة صامتة، تُرتكب كل يوم دون أن يُقبض على الفاعل.

في سنوات المجاعة، لم يكن حضوره توزيعًا للطعام فقط كان إعادة تعريف للكرامة.
كان إصرارًا على أن الإنسان، حتى في أقسى لحظاته، يستحق أن يُعامَل كقيمة، لا كرقم.

الجوع لا يحتاج إلى خطب.
لا يحتاج إلى شعارات.
يحتاج إلى أنظمة عادلة، وإلى شجاعة سياسية وأخلاقية لا يحبها كثيرون، لأنها تُربك المصالح.

نحن نُدين الجوع بالكلمات، نكتب عنه، نحزن قليلًا، ثم نواصل حياتنا وكأنه لا يعنينا.

نضعه في تقارير ونسطر له عنوانًا ثم نُغلق الملف.

لكن عبد الرحمن السميط فتح الملف… وعاش فيه.

لم يقبل أن يكون الجوع “مشهدًا مؤسفًا” يمرّ به سريعًا اعتبره فشلًا جماعيًا.
وحين ترى الفشل على هذا النحو، لا تستطيع أن تعود طبيعيًا.

الجوع ليس قدرًا هو قرار والسكوت عنه قرار آخر.

والمشكلة أن كثيرين يختارون القرار الأسهل: أن يسمّوه قدرًا، ثم يناموا.

السميط : ترك الجائع جائعا خيانة 

أما السميط فاختار القرار الأصعب: أن يرى، وأن يتحمل، وأن يتحرك.

كان يدرك أن إطعام الجائع لا يكفي، لكن تركه جائعًا خيانة.

وكان يفهم أن العمل الإنساني ليس لحظة عاطفية، بل التزام طويل، مكلف، مرهق.
لكنه أيضًا كان يعرف أن الإنسان حين يرفض الظلم، حتى لو لم يُنهِه بالكامل، فإنه يمنع نفسه من أن يصبح شريكًا فيه.

ربما لا نستطيع إنهاء الجوع في العالم لكننا نستطيع أن نختار موقعنا منه.

هل سنكون ممن يبررونه؟
أم ممن يسمّونه قدرًا؟
أم ممن يرفضون أن يكونوا جزءًا من الصمت؟

عبد الرحمن السميط لم يكن يملك معجزة كان يملك ضميرًا.
والضمير، حين يُستخدم، يصبح قوة.

والجوع ليس امتحانًا للفقراء فقط هو امتحان لنا نحن امتحان لعدالتنا، لصدق إيماننا، لمدى إنسانيتنا.

وقد لا نُطالَب جميعًا أن نقف في قرية منهكة تحت شمس قاسية، لكننا جميعًا مطالبون أن نقرر: هل سنبقى نُسمّي الجوع قدرًاأم سنملك شجاعة أن نقول إنه قرار ونرفضه؟ وهنا يبدأ التغيير.

واجعل شعارك

(الأثر لا يُقاس بما يُقال… بل بما يبقى)

فكن أنت الفاتح الجديد

السفير د. أحمد سمير

عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة

السفير الأممي للشراكة المجتمعية

رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى