التثبت والبيان: محاربة الشائعات

كتب – الدكتور أمين رمضان
في ظل الفضاء الإعلامي العالمي الشرس، وعصر الانحطاط الأخلاقي الذي نعيشه، والذي أكثره غث، إشاعات وفضائح، وأقله ثمين، حقائق وعلم ومعرفة. انطلقت فيه أبواق غالبية الشاشات الكبيرة والصغيرة في العالم كله ببرامج تغييب الوعي وغسيل دماغ الشعوب بالشائعات والأكاذيب، تصبح الحاجة ماسة جداً وضرورية إلى تقوية الوعي الذي يمثل جهاز المناعة الأول الذي يحمي الناس والمجتمعات من سموم الإشاعات القاتلة.
حصائد الألسنة
كتبت في مقالة منفصلة عن صيام اللسان وخطورة الكلمة التي يتفوه بها الإنسان، والتي بينها محمد رسول الله عليه الصلاة والصيام في حديث طويل يعتبر قاعدة من قواعد الدين، رواه معاذ بن جبل رضي الله عنه، وكان أعلم الأمة بالحلال والحرام.
الحديث: عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار، قال: «لقد سألت عن عظيمٍ، وإنه ليسيرٌ على من يسره الله تعالى عليه: تعبدُ الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت»، ثم قال: «ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جُنَّةٌ، والصدقـة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل»، ثم تلا: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ} [السجدة: 16].
ثم قال: «ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟» قلت: بلى يا رسول الله، قال: «رأس الأمر: الإسلام، وعموده: الصلاة، وذروة سنامه: الجهاد».
ثم قال: «ألا أخبرك بمِلاك ذلك كله؟ (أي: ما يَكمُلُ به ويَتِمُّ)» فقلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسانه وقال: «كف عليك هذا»، قلت: يا نبي الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟! فقال: «ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكُبُّ الناسَ في النار على وجوههم – أو قال: على مناخرهم – إلا حصائدُ ألسنتهم»؛ (رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح).
هل رأيت عزيزي القارئ مكانة الكلمة، فاحذر أن تنشر الشائعات، وراجع كل ما تسمع لتحمي عقلك من دخول الشائعات إليه، لينشر السلام مظلته على المجتمع.
بنيان المجتمع
قال الله تعالى في سورة الحجرات:
﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ إِن جَاۤءَكُمۡ فَاسِقُۢ بِنَبَإࣲ فَتَبَیَّنُوۤا۟ أَن تُصِیبُوا۟ قَوۡمَۢا بِجَهَـٰلَةࣲ فَتُصۡبِحُوا۟ عَلَىٰ مَا فَعَلۡتُمۡ نَـٰدِمِینَ﴾ [الحجرات ٦]
هذه الآية دعوة صريحة للتثبت من الأنباء أو الأخبار، وتبيان صريح لنتائج عدم التأكد من صحة ما نسمع على الفرد والمجتمع. الالتزام بهذه الآية حماية لحجرات المجتمع من الانهيار، عندما تنهار هذه الحجرات يصبح المجتمع عارياً ومفضوحاً على الملأ، والواقع الآن أصدق من أ كلام.
ولا شك أن الشائعات لن تختفي، والتضليل لن تنطفئ نيرانه من المجتمع، لكن الحل هو حماية عقولنا من اختراق الشائعات والأكاذيب لها، وألا نضع عقولنا في آذاننا فتبتلع العقول سموم الأفكار والأحاديث والأخبار بلا وعي.
وسائل التواصل الاجتماعي
من فضل الله أن وسائل التواصل العالمي أصبحت تحت أصابع وأعين المليارات من البشر، حتى الأطفال والأجيال الصغيرة أصبحوا محترفين في استخدام هذه الوسائل، وكبر حج السوشيال ميديا وتكنولوجيا المعلومات إلى ما بعد خيال معظم الناس، وهذا سلاح ذو حدين، فيمكن استخدامه لصناعة الوعي وحماية الناس والأوطان، أو لتغييب العقول والمجتمعات وتدمير الأخلاق.
الالتزام الأخلاقي دين وفطرة إنسانية
في عالم الناس، إما أن يكون الالتزام الأخلاقي عموماً، ومحاربة الشائعات خصوصاً، نابعاً من عقيدة روحية يؤمن بها الإنسان، أو نابعاً من فطرة إنسانية سليمة، والحقيقة أن الإسلام، وهو الدين الذي جاء به الرسل جميعاً، هو دين الفطرة الإنسانية السليمة عند الناس جميعاً، ولذلك قالوا عن الإسلام: “لو لم يكن ديناً، لكان حسناً في أخلاق الرجال”، والرجولة سمات أخلاقية وليست ذكورة، وأهم سمات الرجولة: نشر الإصلاح في المجتمع، والصدق في العهد مع الله، والصلة القوية بالله وذكره الدائم، كما قال تعالي:
﴿وَجَاۤءَ رَجُلࣱ مِّنۡ أَقۡصَا ٱلۡمَدِینَةِ یَسۡعَىٰ قَالَ یَـٰمُوسَىٰۤ إِنَّ ٱلۡمَلَأَ یَأۡتَمِرُونَ بِكَ لِیَقۡتُلُوكَ فَٱخۡرُجۡ إِنِّی لَكَ مِنَ ٱلنَّـٰصِحِینَ﴾ [القصص ٢٠] … السعي لنصرة الحق … سمة للرجولة.
﴿مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ رِجَالࣱ صَدَقُوا۟ مَا عَـٰهَدُوا۟ ٱللَّهَ عَلَیۡهِۖ فَمِنۡهُم مَّن قَضَىٰ نَحۡبَهُۥ وَمِنۡهُم مَّن یَنتَظِرُۖ وَمَا بَدَّلُوا۟ تَبۡدِیلࣰا﴾ [الأحزاب ٢٣] … الوفاء بالعهد مع الله والصدق فيه … سمة للرجولة.
﴿رِجَالࣱ لَّا تُلۡهِیهِمۡ تِجَـٰرَةࣱ وَلَا بَیۡعٌ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِیتَاۤءِ ٱلزَّكَوٰةِ یَخَافُونَ یَوۡمࣰا تَتَقَلَّبُ فِیهِ ٱلۡقُلُوبُ وَٱلۡأَبۡصَـٰرُ﴾ [النور ٣٧] … عدم الانشغال بالمكاسب المغرية في التجارة والبيع عن العبادة (وهي الالتزام بالصراط المستقيم) والصلة بالله … سمة للرجولة.
لذلك قالوا: كل رجل ذكر … وليس كل ذكر رجل
مع الشعر
يقول شوقي على لسان “شرميان” (وصيفة كليوباترا) في مسحيته الشعرية (مصرع كليوباترا):
السياق الذي قيلت فيه هذه الأبيات:
كانت الملكة كليوباترا قد انسحبت بأسطولها من معركة “أكتيوم” البحرية ضد القائد الروماني أوكتافيوس. هذا الانسحاب أدى إلى هزيمة حليفها (مارك أنطونيو).
ولكن، لكي تحافظ كليوباترا على روح الشعب المعنوية وتمنع حدوث ثورة أو اضطراب في الإسكندرية، أمرت رجالها بإشاعة خبر كاذب بأنها انتصرت في المعركة. وبالفعل، بدأ الناس في الشوارع يهتفون فرحاً بهذا “النصر الوهمي”.
عندما رأت “شرميان” (وصيفة الملكة) الناس يصدقون هذه الكذبة ويهتفون بها دون تفكير، قالت هذه الأبيات منتقدةً سرعة تصديق الجماهير للشائعات والأكاذيب.
أَيُّ نَصـرٍ لَقِيَهُ؟ … لَيسَ غَيرُ الزورِ فيهِ
إِنَّما الشَعبُ بَبَّغاء … عَقلُهُ في أُذُنَيهِ
“عَقلُهُ في أُذُنَيهِ”: هذا تعبير بلاغي عبقري، يُقْصَد به أن الشعب ألغى عقله الذي في رأسه واعتمد فقط على ما يسمعه بأذنيه. فبمجرد سماع خبر، يصدقه فوراً وينشره دون فحص أو نقد.
تعتبر هذه الأبيات من أشهر ما كتبه أمير الشعراء أحمد شوقي في مسرحيته الشعرية “مصرع كليوباترا”، وهي تجسد ببراعة لحال الشعوب التي تنساق وراء الشائعات دون تفكير.
تخطت هذه الأبيات زمن المسرحية لتصبح “حكمة” أو “مثلاً” يُستشهد به في علم الاجتماع والسياسة لوصف “سيكولوجية الجماهير” وكيف يمكن تضليل الرأي العام بسهولة من خلال توجيه ما يسمعونه.
الدكتور / أمين رمضان
20 رمضان 1447 ه / 10 مارس 2026 م




