
كتبت – د.هيام الإبس
تتنوع مظاهر الاحتفال برمضان في اليمن من منطقة الى اخرى، لكنها تتفق في جوهرها على تعزيز قيم التكافل الاجتماعي والعبادة، وإدخال البهجة على قلوب مختلف شرائح المجتمع، وخاصة الأطفال.
وعلى الرغم من الظروف الصعبة التي تمر بها اليمن والازمات المتتالية جراء الحرب المستمرة منذ سنوات، يصر اليمنيون على الاحتفاء بشهر رمضان وإحياء عاداتهم وتقاليدهم الرمضانية العريقة.
ورغم الازمة الانسانية والاقتصادية والانقسامات التي تشهدها البلاد بين القوات الحكومية وجماعة الحوثيين، يتمسك اليمنيون بعاداتهم الرمضانية، معتبرين إنها جزءاً لا يتجزأ من هويتهم وخصوصية هذا الشهر الفضيل.
ترحيب واسع
تتزين الشوارع والاحياء في اليمن قبل حلول شهر رمضان، ومع إعلان ثبوت رؤية الهلال، تبدأ الاحتفالات في مختلف المناطق، حيث يقوم بعض الأهالي بإشعال النيران على قمم الجبال وأسطح المنازل، مع إطلاق الألعاب النارية والرصاص ابتهاجاً بقدوم الشهر الكريم.
وفي مناطق أخرى، تشهد الأحياء مسيرات يشارك فيها الرجال والأطفال، وهم يحملون الطبول والفوانيس ويرددون الأهازيج الترحيبية بالشهر الفضيل.
وتشتهر مدن حضرموت بعادات رمضانية مميزة مثل “الكيف طاري” و”الفافوت”، حيث يرتدي الأطفال الملابس الجديدة في الأيام الأولى من الشهر، وتتخلل الفعاليات فقرات فنية متنوعة، مع توزيع الحلويات والمكسرات على الأطفال، مما يعكس أجواء البهجة والمشاركة المجتمعية.
تكحيل العيون
من العادات الرمضانية المميزة في اليمن، عادة تكحيل العيون بالإثمد في باحة المسجد الكبير بصنعاء، حيث يقوم كبار السن بتكحيل عيون المصلين بعد صلاتي العصر والعشاء، اعتقادًا منهم بفوائده للعين وإحياء لسنة النبي صلى الله عليه وسلم.
إفطارات جماعية
تعتبر الإفطارات الجماعية من أبرز العادات الرمضانية في اليمن، حيث تحرص العديد من العائلات على إقامة موائد الإفطار في المساجد، بينما تنظم موائد أخرى في الشوارع والميادين العامة بدعم من الأهالي ورجال الأعمال والجمعيات الخيرية.
ولا تقتصر هذه الإفطارات على سكان الأحياء فقط، بل تمتد لتشمل المسافرين وعابري السبيل والعمال القادمين من مناطق أخرى، مما يعكس روح التكافل والتضامن الاجتماعي التي تميز المجتمع اليمني خلال شهر رمضان.
المائدة اليمنية في رمضان غنية بالأطباق التقليدية التي تحمل نكهات مميزة حيث تتزين موائد اليمنيين في رمضان بأطباق متنوعة تختلف من منطقة إلى أخرى، وتشمل:
الشفوت: طبق رئيسي يتكون من رقائق الخبز المبللة باللبن والمتبلة بالأعشاب والتوابل.
السمبوسة: عجينة محشوة باللحم المفروم أو الجبن أو البطاطا مع الكزبرة، ثم تحمر حتى تصبح ذهبية ومقرمشة.
الشوربة: حساء يتم إعداده من القمح المجروش الممزوج بالحليب والسكر، أو بحساء اللحم، وهو من الأطباق الأساسية على مائدة الإفطار.
بنت الصحن: هي حلوى تقليدية محضرة من طبقات العجين المدهونة بالسمن والعسل، ومزينة بالحبة السوداء
بالإضافة إلى السلتة والكبسة والزربيان وصانونة اللحم والسمك، علاوة على الحلويات مثل الفتة والرواني والكنافة واللبنية والجيلي وغيرها.
إلا أن الظروف الاقتصادية الصعبة وارتفاع الاسعار، تحول دون حصول العديد من الأسر على هذه الأطباق باستمرار.
فعاليات تراثية
تتميز ليالي رمضان في اليمن بعادة التزاور بين الأقارب والأصدقاء، حيث تعد المجالس المسائية فرصة لتبادل الأحاديث ومناقشة قضايا المجتمع والبلاد، مع تناول المشروبات والعصائر والمكسرات.
وفي بعض المناطق، تكون الزيارات أكثر تنظيماً في تقليد يعرف بـ”الختومات والتشاهير”، حيث يتم تخصيص يوم محدد لكل منطقة أو حي لدعوة الأقارب من المناطق الأخرى للإفطار وتناول العشاء.
وترافق هذه الطقوس فعاليات تراثية ورقصات شعبية تضفي أجواء من البهجة والترفيه، خاصة على الأطفال الذين يجوبون الشوارع حاملين أوعيتهم ويطالبون بالهدايا والحلويات من المنازل التي شهدت زواجاً أو ولادة جديدة أو عودة مسافر.
تعلم وعبادة وأنشطة
يحرص اليمنيون على اغتنام شهر رمضان في تنظيم حلقات لتعلم القرآن الكريم والدروس الدينية، والمواظبة على الصلوات والطاعات المختلفة.
وتتميز بعض المناطق بتفاوت مواعيد إقامة الصلوات، خاصة الظهر والتراويح والقيام، لإتاحة الفرصة للسكان لأدائها في جماعة.
وتتنافس المساجد على استقدام الأئمة والمقرئين المهرة، خاصة في صلاة التراويح والقيام، لإتاحة الفرصة للسكان لأدائها في جماعة، وتختتم معظم المساجد قراءة القرآن الكريم في أواخر شهر رمضان.
كما تشهد المناطق والمدن أنشطة متعددة خلال شهر رمضان، مثل الألعاب الشعبية والدوريات الرياضية والمسابقات القرآنية والثقافية، بالإضافة إلى السهرات الفنية.
المسحراتي
لا يزال موروث المسحراتي حاضراً بقوة في بعض المدن اليمنية، ويقاوم الاندثار رغم اختفائه في بعضها الآخر.
وتحضر هذه المهنة في عدد من المدن، أبرزها مدينة شبام التاريخية في محافظة حضرموت، حيث تتوارث عائلة “آل خراز” هذا التقليد منذ أربعة قرون متواصلة.
ويحل رمضان الثاني عشر على اليمنيين منذ اندلاع الحرب، في وقت تشهد فيه البلاد حالة من “اللاحرب” و”اللاسلم” منذ انتهاء الهدنة الأممية في أكتوبر 2022، مع تزايد الأمل في إنهاء الحرب وتداعياتها الصعبة.
وداع رمضان في اليمن واستقبال العيد
مع اقتراب نهاية شهر رمضان، يشعر اليمنيون بحزن لوداع أيام الرحمة والمغفرة.
كما تبدأ الاستعدادات لاستقبال عيد الفطر بشراء الملابس الجديدة وتحضير الحلويات التقليدية، وتبادل الزيارات بين الأهل والأصدقاء، مما يعزز أواصر المحبة والتواصل الاجتماعي.








