شئون عربيةالسودان

يوميات وطن ينزف (8) أطفال السودان… الطفولة التي تكبُر قبل أوانها

بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير

في السودان اليوم، لا شيء يُوجع الروح أكثر من نظرة طفلٍ فقد يقينه بالعالم.  أطفالٌ لم يتعلّموا بعد كيف يتهجّون أحلامهم، لكنهم صاروا يحفظون أسماء   أصوات الرصاص، ويميزون بين دويّ القذيفة وارتطام السقف المنهار.

في الحروب، الكبار يتألمون…
لكن الأطفال وحدهم هم الذين يُعاد تشكيل وعيهم بطريقة لا تُنسى.

لا شيء يشبه طفولة السودان الآن:
طفولة تُنتزع من على المقاعد الخشبية للمدارس، لتستقر على طرقات النزوح.
طفولة تكتب واجباتها المدرسية على كراتين الإغاثة.
طفولة تفهم معنى “معبر مغلق” أكثر مما تفهم معنى “درس مفتوح”

بين الخوف والصبر والفقد

منذ اشتعال الحرب، صار الطفل السوداني يعيش ثلاث مراحل في وقت واحد:
يخاف كـطفل، يصبر كرجل، ويفقد مثل من خسر كل شيء دفعة واحدة.

في أحد مراكز النزوح، كانت طفلة تقف أمام متطوعة تحمل دفاتر جديدة.      سألتها المتطوعة:
“عايزة دفتر عشان تكتبي دروسك؟”
فأجابت الطفلة بصوتٍ أقرب إلى الهمس:
“ما عندي دروس… عندي صور عايزا أرسِمها، عشان أفتكر بيتنا زي ما كان”

رسم البيوت صار بديلاً لعودتها.
ورسم الأصدقاء صار عزاءً عن غيابهم.
والألوان أصبحت محاولة صغيرة لردّ الحياة إلى عالمٍ صار رماديّاً بالكامل.

أبسط الحقوق المستحيلة

أطفال السودان لا يحتاجون الكثير.
هم لا يطلبون خلاصاً سياسياً، ولا يشترطون اتفاقاً تاريخياً.
كل ما يريدونه شيئان بسيطان:
أن يستيقظوا دون خوف،
وأن يناموا وهم يعرفون أن الغد سوف يأتي.

لكن هذا البسيط جداً هو المستحيل الآن.

المدارس تُقصف أو تُحوّل لملاجئ.
اللقاحات تتأخر حتى تتحول الأمراض الصغيرة إلى كوارث.
والأمهات يقطعن مسافات طويلة بحثاً عن حفنة دواء أو قطعة خبز.

المجتمع الدولي متفرج

والمجتمع الدولي بكل ثقله وادعاء إنسانيته يقف متفرجاً، يتحدث عن السودان كما لو أنه مجرد “خبر عابر في جريدة” تضاف إلى قائمة الأخبار السابقة.

لكن الأطفال لا يفهمون لغة المؤتمرات ولا بيانات الإدانة.
الطفل السوداني يفهم شيئاً واحداً فقط: إما أن يعيش، أو لا يعيش.

هؤلاء الأطفال هم مستقبل البلاد، لكنهم اليوم يُعاملون كوقودٍ للحرب.
كل يوم يفقد السودان جيلاً كان يمكن أن يبني، يزرع، يبتكر، ويُعيد تشكيل وعي الأمة.
جيلٌ كان يمكن أن يصبح الجسر الذي يعبر به الوطن إلى الغد… فإذا به يصبح ضحية الطريق.

ثورة تتحدى الألم 

ورغم كل هذا الألم، يبقى هناك نور صغير.
طفلٌ يرسم وطنه كما يحبّه، لا كما يراه.
طفلةٌ تجمع الأطفال في المخيم لتعلّمهم أغنية.
معلمٌ يُدرّس في خيمة وهو لا يملك حتى السبورة.
أمٌّ تحكي قصة قبل النوم لأطفالها كي تصنع لهم شعوراً مؤقتاً بالأمان.

هذه التفاصيل الصغيرة هي الثورة الحقيقية.
ثورة تحاول أن تحمي ما تبقّى من براءة في بلدٍ يزداد قسوة.

وربما حين تكفّ البنادق عن الكلام، سيعود الأطفال ليعيدوا تعريف السودان من جديد، لأنهم أكثر من يعرف معنى أن تولد من الموت.

السفير د. أحمد سمير

عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة

السفير الأممي للشراكة المجتمعية

رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى