
بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. سمير
في الثلاثين من مارس 2026، لم يكن ما حدث داخل الكنيست الإسرائيلي مجرد تصويت عابر على قانون جديد، بل كان إعلانًا صريحًا بأن مرحلةً أخرى من القسوة قد بدأت… مرحلة يُشرعن فيها الموت، ويُقدَّم على أنه عدالة.
القانون الذي صادق عليه الكنيست بأغلبية 62 نائبا منهم عضوا الكنيست العربيان من الطائفة الدرزية أكرم حسون وعفيف عبد مقابل معارضة 48 نائبا وامتناع نائب واحد، يتيح فرض عقوبة الإعدام “شنقًا” بشكل إلزامي على الأسرى الفلسطينيين المدانين بتنفيذ عمليات أدت إلى مقتل إسرائيليين.
ولأن التفاصيل أحيانًا أكثر قسوة من العناوين، فإن القانون لا يكتفي بالحكم، بل يحدد أيضًا سرعة التنفيذ: خلال 90 يومًا فقط… دون عفو، دون مساحة للتراجع، ودون حتى ذلك “الهامش الإنساني” الذي تتباهى به الأنظمة حين تريد أن تبدو رحيمة.
الإرهاربيون يزعمون : حبل المشنقة يصنع التاريخ
والأغرب أن هذا القانون سيبدأ تطبيقه خلال 30 يومًا من إقراره، وكأن العدالة كانت تنتظر فقط توقيعًا لتتحول إلى حبل مشنقة.
تاريخيًا، لم تُنفّذ إسرائيل عقوبة الإعدام سوى مرة واحدة، عام 1962 بحق النازي أدولف آيخمان. يومها، قُدّم الأمر على أنه استثناء أخلاقي في سياق جريمة كبرى
أما اليوم، فيبدو أن الاستثناء أصبح قاعدة… والقاعدة أصبحت أكثر اتساعًا مما يحتمله الضمير.
وراء هذا القانون، تقف أسماء لم تُخفِ يومًا توجهاتها، بل تباهت بها. من ليمور سون هارميلخ التي بادرت بالمشروع، إلى إيتمار بن غفير، الذي لم يتردد بعد التصويت في كتابة عبارته الشهيرة:
“صنعنا التاريخ!!! وعدنا ووفينا.”
هي جملة قصيرة، لكنها كاشفة… فالتاريخ هنا لا يُصنع بالعدالة، بل بالقوة والوعد لم يكن إصلاحًا… بل كان تصعيدًا.
تجاهل 2000 تحفظ
ولأن الطريق إلى هذا القانون لم يكن سهلًا، فقد تجاهلت اللجنة أكثر من 2000 تحفظ قُدّمت ضده، وكأن الاعتراضات كانت مجرد ضوضاء يجب إسكاتها، لا أصواتًا تستحق الاستماع.
لكن بعيدًا عن القاعات المكيّفة والتصويتات الرقمية، هناك واقع آخر أكثر قسوة.
وفقًا لإحصائيات نادي الأسير الفلسطيني، يقبع نحو 9500 أسير فلسطيني وعربي في السجون الإسرائيلية، بينهم 350 طفلًا و73 سيدة.
ليس هذا فقط… بل هناك 97 شهيدًا ما زالت جثامينهم محتجزة، كأن الموت نفسه لم يعد كافيًا، فيُضاف إليه احتجاز الكرامة.
هنا، يصبح السؤال بسيطًا ومؤلمًا في آنٍ واحد: إذا كان الأسرى أحياءً يعانون، والأموات لا يُدفنون… فما الذي بقي من معنى الإنسانية؟
ردود الفعل الدولية جاءت كما اعتدنا: بيانات، إدانات، كلمات كبيرة تُقال بنبرة هادئة حزينة… وجميعهم وصفوا القرار بأنه “وصمة أخلاقية” وانتهاك صارخ للقانون الدولي.
الوصمة الأخلاقية
لكن، يبدو أن “الوصمة الأخلاقية” أصبحت توصيفًا أنيقًا لجرائم قاسية… تُقال ثم تُنسى، كأنها بخاخ معطّر يُرشّ في غرفة مغلقة.
في الشارع الفلسطيني، لم يكن المشهد بهذا الهدوء.
خرجت تظاهرات غاضبة في مدن مثل نابلس، رافضة ما سُمّي بـ “تشريع القتل الرسمي”.
وهنا، لا يتظاهر الناس لأنهم يحبون الضجيج… بل لأن الصمت أصبح خيانة.
قد تُقدَّم التماسات أمام المحكمة العليا الإسرائيلية لإبطال القانون، وقد تستغرق الإجراءات وقتًا طويلًا… لكن الحقيقة المؤلمة أن الزمن، في مثل هذه القضايا، لا يكون محايدًا.
فالوقت الذي ننتظره للعدالة… قد يكون هو نفسه الوقت الذي يُنهي حياة إنسان.
هل يمكن للعدالة أن تُولد من رحم الانتقام؟
في النهاية، لا يبدو أن القضية تتعلق بقانونٍ فقط، بل بفكرة أعمق: هل يمكن للعدالة أن تُولد من رحم الانتقام؟
وهل يمكن لقانونٍ يسرّع الموت أن يدّعي أنه يحمي الحياة؟
المشكلة ليست في أن العالم لا يرى… بل في أنه يرى، ثم يختار أن يدير ظهره.
ولهذا، ربما لا تكون أخطر لحظة هي لحظة إصدار الحكم، بل اللحظة التي يصبح فيها هذا الحكم أمرًا عاديًا.
لأننا حين نعتاد القسوة… لا نخسر إنسانيتنا مرة واحدة، بل نفقدها بالتقسيط.
وفي عالمٍ كهذا، لا يكون السؤال: من التالي؟
بل السؤال: هل بقي أحد خارج الدور؟
السفير د. سمير
عضو هيئة ملهمي وأحمد مستشاري الأمم المتحدة
السفير الأممي للشراكة المجتمعية
رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية







