أراء وقراءات

فاتح أفريقيا الجديد (10) النية الجماعية… حين يصبح الخير ثقافة وليس مبادرة

بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير

تخيّل معي هذا المشهد الذي يعبّر بدقة عن روح الدكتور عبد الرحمن السميط في رحلة حياته… في إحدى القرى الإفريقية النائية، وبعد يومٍ طويل من العمل، جلس مع فريقه قرب بئرٍ تم الانتهاء من حفره لتوّه كان التعب واضحًا على الوجوه، لكن ملامح أهل القرية كانت تحمل امتنانًا صامتًا، لا يحتاج إلى ترجمة.                  اقترب منه أحد المتطوعين وقال بحماس: يا دكتور، لو قمنا بتصوير هذا المشروع ونشره، سيصل أثره إلى آلاف المتبرعين، وسنكسب دعمًا أكبر.

فلسفة السميط

ابتسم السميط بهدوء، ثم قال جملة بسيطة، لكنها تختصر فلسفة عمرٍ كامل:
“إذا كان العمل يحتاج أن يُرى ليبقى… فراجع نيتك أولًا”

لم يكن يقصد هنا رفض الانتشار، ولا التقليل من قيمة الدعم، بل كان يعيد ضبط البوصلة.
كان يقول بطريقة غير مباشرة: العمل الذي يعيش بسبب الناس… يموت بذهابهم.
أما العمل الذي يعيش بسبب القيمة… فيستمر، حتى في غياب الجميع.

لذا الفعل الفردي يُشعل الشرارة، لكن النية الجماعية هي التي تُبقي النار مضيئة.

عبد الرحمن السميط لم يكن يعمل ليكون بطلًا، بل كان يعمل ليُغيّر منطق العمل نفسه وهي أن ينتقل الخير من مبادرة شخص… إلى وعي مجتمع.

كان يدرك أن الجهد الفردي، مهما عَظُم، له سقف وأن أي مشروع، مهما كان ناجحًا، سيبقى هشًا إذا كان قائمًا على شخص واحد.
لكن حين تتحول النية إلى ثقافة، يتّسع الأفق، ويتحرر الخير من حدود الأفراد إلى وعي مجتمعي كامل.

النية الجماعية

 

النية الجماعية لا تعني أن الجميع يفعل الشيء نفسه، بل أن الجميع يفهم لماذا يفعل وهذا الفرق الجوهري.

لأن المشكلة في كثير من الأعمال ليست في غياب الفعل، بل في غياب الفهم.
نُكرر الأفعال، نُعيد المشاريع، لكن دون وعيٍ حقيقي بالقيمة… فتبقى النتائج مؤقتة.

في إفريقيا، لم يكن الهدف أن يأتي “المنقذ” من الخارج كل مرة، بل أن يُعاد بناء شيء أعمق: هو الثقة بالذات.

وأن يشعر الإنسان أنه قادر، وأن مجتمعه ليس عبئًا، بل شريكًا.

المجتمعات نفسها يحب ان تكون جزءًا من الحل

السميط لم يحتكر المعرفة، ولا القرار، ولا الفضل، بل عمل على أن تصبح المجتمعات نفسها جزءًا من الحل، لا مجرد متلقٍ للمساعدة.

كان يفهم أن أخطر ما يمكن أن يفعله العمل الخيري، هو أن يُضعف من يعتمد عليه لذلك لم يكن يزرع مشاريع فقط، بل كان يزرع قدرة على الاستمرار.

حين يُحفر بئر، لا يكون الإنجاز في الماء فقط، بل في من سيتولى الحفاظ عليه. حين تُبنى مدرسة، لا يكون النجاح في الجدران، بل في العقول التي ستديرها بعد ذلك.

وهنا يظهر الفرق بين مشروع يعيش، ومشروع يُحتفى به… ثم يُنسى.

النية الجماعية تُخفف العبء عن الأفراد، وتُطيل عمر الأثر لأن الخير، حين يصبح مسؤولية مشتركة، لا يعود مرتبطًا بوجود شخص، ولا يتوقف بغيابه.

حين يصبح الخير عادة، لا يحتاج إلى حملات وحين يصبح قيمة مشتركة، لا ينتظر مناسبة.

عبد الرحمن السميط لم يكن يبحث عن نتائج سريعة، ولا عن إنجازات تُذكر في التقارير فقط.

كان يبحث عن شيء أعمق، شيء لا يُقاس بسهولة: هو أن يتحول الخير إلى سلوك يومي وأن يصبح العطاء طبيعيًا، وأن يشعر كل إنسان أن له دورًا، ولو كان صغيرًا.

هنا تكمن القوة الحقيقية ليس في أن تفعل الكثير وحدك، بل في أن تجعل الكثيرين يفعلون، حتى دونك.

ربما نُعجب بالقصص الكبيرة، وبالأسماء اللامعة، وبالمشاريع الضخمة… لكن الحقيقة الأعمق، أن أعظم ما يمكن أن يفعله إنسان، ليس أن ينجح وحده، بل أن يترك وراءه فكرة تنجح بدونه.

الخير ليس مهمة استثنائية، بل مسؤولية يومية

عبد الرحمن السميط لم يكن مشروعًا فرديًا، بل كان بداية ثقافة.

ثقافة تقول: إن الخير ليس مهمة استثنائية، بل مسؤولية يومية.

وأن التغيير الحقيقي، لا يحدث حين يظهر البطل، بل حين يختفي… ويستمر الأثر.

وهنا فقط، نفهم أن النية الجماعية ليست فكرة مثالية، بل هي الضمان الوحيد أن يظل الخير حيًا… حتى بعد أن يغيب صانعه.

واجعل شعارك

(الأثر لا يُقاس بما يُقال… بل بما يبقى)

فكن أنت الفاتح الجديد

السفير د. أحمد سمير

عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة

السفير الأممي للشراكة المجتمعية

رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى