نحو أسرة راشدة (5) التواصل شريان حياة الأسرة

كتب – الدكتور أمين رمضان
اتفقنا على أن الأسرة منظومة حية، كل أفرادها يؤثرون ويتأثرون ببعضهم البعض، وبأنها نظام مفتوح يؤثر ويتأثر بالعالم الخارجي، وأن منظومة القيم التي تعتنقها هي البوصلة التي تحركها هي البوصلة. اليوم، نغوص في شريان الحياة لهذه المنظومة وهو التواصل بين أفرادها، إذ بدون تواصل صحي، تتصلب الشرايين العاطفية للأسرة، وتتحول المودة إلى جفاء، والرحمة إلى خصومة، والتواصل يشمل اللغة المنطوقة، محتوى ونبرة، ولغة الجسد التي يكون تأثيرها أقوى من اللغة المنطوقة.
دستور القرآن الكريم في الكلمة الطيبة
القرآن الكريم قد وضع القاعدة الذهبية للتواصل الإنساني والأسري من باب أولى في آية موجزة جامعة:
“وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا” (الآية 83 – سورة البقرة)
“الحُسن” هنا ليس فقط في اختيار الكلمات (المحتوى)، وهو مهم جداً، بل أيضاً في نبرة الصوت، ولغة الجسد، والوقت المناسب أيضاً، وتتوافق مدارس علم النفس مع الحسن في القول بكل أبعاده، لذلك قالوا إن الحكمة: هي الكلمة المناسبة، من الشخص المناسب، للشخص المناسب، بالطريقة المناسبة، في الوقت المناسب. في الأسرة الراشدة، الكلمة هي أداة بناء، لا معول هدم.
أنماط التواصل والدفاعات الأسرية (منظور ساتير)
في علم النفس والتربية الحديثة، تبرز مدرسة “فرجينيا ساتير” (Virginia Satir) وهي معالجة نفسية أمريكية ومؤلفة (1988- 1916) ورائدة العلاج الأسري، التي علمتنا أن الأسرة منظومة، وأن المشاكل الأسرية ليست ناتجة عن “أشخاص سيئين”، بل عن “طرق تواصل غير صحية”، ففتحت أمامنا باب مهم لعلاج المشاكل الأسرية، بجانب أبواب أخرى كثيرة.
تقول فرجينيا ساتير إن الأفراد تحت الضغط يتبنون أنماطاً دفاعية تمنع التواصل الحقيقي، ربما بسبب الخوف أو تدني تقدير الذات، وهي:
- المُتّهِم: الأب أو الأم الذي يلقي باللوم دائماً على الآخرين كدرع ليهرب من مسؤوليته.
- المُسْتَرضي: الشخص الذي يوافق على كل شيء ويلغي ذاته ليحافظ على السلام الزائف، وهو يحترق من الداخل، وخائف من فكرة الرفض أو الهجر.
- العقلاني الجامد: الذي يتحدث بلغة الأرقام والمنطق الجاف، متجاهلاً العواطف والمشاعر الإنسانية تماماً، لخوفه من فقد السيطرة عند الغضب.
- المُشَتِت: الذي يهرب من مواجهة المشاكل عبر تغيير الموضوع أو الضحك في غير وقته، ربما يكون الدافع لذلك هو الهروب من الألم.
هذه الأنماط الأربعة تؤدي إلى “مشاكل في الكيان الأسري“.
التواصل المتطابق: لغة الأسرة الراشدة
البديل الصحي الذي قدمته ساتير، ويتوافق تماماً مع هدي الإسلام، هو “التواصل المتطابق” وهو أن تتطابق مشاعرنا مع ما يقوله لساننا، مع سلوكنا، وتعبّر عنه ملامحنا، مع مراعاة سياق الموقف واحتياجات الآخرين، وهذه هي لغة الصدق والمودة.
مثال تطبيقي للتواصل الصحي في الأسرة
المشكلة: ابن مراهق عاد للبيت بعد منتصف الليل
السيناريو الأول: استخدام الأب لنمط المُتّهِم
وقف الأب غاضباً عند باب البيت، ماداً يده نحو ابنه، العائد إلى البيت بعد منتصف الليل، مشيراً إليه بإصبع السبابة، ووجهه منتفخ احمرارا وهو يقول: “أنت مستهتر، أنت لا تشعر بالمسؤولية، أنت لن تتغير أبداً “
السيناريو الثاني: استخدم الأب التواصل المتطابق الصحي مع الابن المتأخر
وقف الأب عند باب البيت، بعد أن تجاوزت الساعة منتصف الليل، يكاد الخوف والقلق يفتك به، رأى ابنه قادماً ناحية البيت، وعندما وصل، أخذ نفساً عميقاً وقال له: “أنا كنت قلقان جداً عليك لما تأخرت، خفت يكون حصلك حاجة“
خلاصة المقال
التواصل هو الجهاز الدوري للأسرة. والأسرة الراشدة هي التي تتخلص من أنماط اللوم والاسترضاء والجفاف العاطفي والتشتت، لتتبنى التواصل القائم على الصدق والرحمة والكلمة الطيبة التي أوصانا بها القرآن الكريم، لتظل الأسرة حية ونابضة بالحب والإنجاز.
الدكتور / أمين رمضان
16 أبريل 2026 م





