أخطاء شائعة في الوقف والابتداء أثناء قراءة القرآن الكريم ..الرسائل 19 و 20 و 21

كتب – الشيخ محمد محمود عيسى
يعد علم “الوقف والابتداء” من أجلّ علوم القرآن الكريم، فهو الفن الذي يبرز جماليات النص القرآني ويحفظ معانيه من التبديل. وكثيراً ما يقع بعض القراء في فخ “الوقف القبيح” أو الوصل غير الصحيح نتيجة عدم الإلمام بالمعنى اللغوي والشرعي، مما قد يؤدي إلى قلب المعنى تماماً أو نسب ما لا يليق للأنبياء والرسل. وفي هذه السطور، نستعرض ثلاث رسائل هامة توضح مواضع الوقف الصحيحة في آيات من سور “مريم” و”الإسراء” و”التوبة”.
الرسالة التاسعة عشرة
قال الله تبارك وتعالي : ( فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا ۖ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا ) [ سورة مريم الآية رقم ٢٦ ]
يقرأ القارئ قراءة صحيحة من أول الآية حتي يصل ويقف علي عبارة ( فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا ) ثم بعد ذالك يبدأ بداية خاطئة لاتصح وينسب النذر إلي نفسه سواء قصد ذالك أم لم يقصد وهذا لايصح ولا يجوز في قراءة كتاب الله تبارك وتعالي فيقرأ هكذا بالخطأ ( إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا )
ولكن الصحيح أن يبدأ ويقرا هكذا حتي يتم المعني الصحيح للآية ( فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا ) لابد من إثبات القول لها وليس للقارئ
الرسالة العشرون
قال الله تبارك وتعالي : ( رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ ۚ إِن تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا ) [ سورة الإسراء الآية رقم ٢٥ ]
بقرأ القارئ من أول الآية ويقف عند قول الله تبارك وتعالي : ( إِن تَكُونُوا صَالِحِينَ ) هكذا ( رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ ۚ إِن تَكُونُوا صَالِحِينَ ) هنا وقف خاطئ جدا ووقف قبيح لايصح لأن القارئ بهذا الوقف غيّر معني الآية فكأن القارئ جعل الله يعلم مافي أنفس الناس إذا كانوا صالحين فقط
هنا لايقصد القارئ ذالك الأمر ولكنه وقع في خطأ عقائدي غير مقصود فغيّر مقصد الآية ومراد الله تبارك وتعالي لأن الله يعلم مافي أنفس الناس في كل وقت وعلي أي صفة بتصفون بها سواء كانوا صالحين أو كانوا طالحين _________
ولكن قراءة الآية الصحيحة يقرأ المقطع الأول ويقف هكذا ( رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ ) هذا وقف صحيح ثم بعد هذا الوقف يبدأ مباشرة بما بعدها ويكمل القراءة إلي آخر الآية هكذا ( إِن تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا ) أو يقرأ الآية كاملة دون وقف مع فهم المعني هكذا ( رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ ۚ إِن تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا )
هذه هي القرءاة الصحيحة للآية والتي تعطي المعني الصحيح لها وتحقق مراد الله تبارك وتعالي
الرسالة الواحدة والعشرون
قال الله تبارك وتعالي : ( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) [ سورة التوبة الآية رقم ٣١ ]
يقرأ القارئ قراءة صحيحة حتي قول الله تبارك وتعالي : ( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ ) ويقف وهنا وقفًا صحيحًا لاغبار عليه ويؤدي المعني الصحيح
ثم يبدأ بداية خاطئة جدًا وقبيحة ولا تصح هكذا ( أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ ) بهذه البداية تغيّر المعني تماما فجعل من دون أربابًا وكذالك جعل المسيح ربَّا من دون الله وكذالك من الخطأ الكبير أن يبدأ نفس البداية ويكمل الآية حتي نهايتها
وأكيد هو لايقصد المعني الخطأ ولكن الخطأ يُنافي مراد الله تبارك وتعالي
ولكنّ الصحيح بعد وقوفه الصحيح المذكور هو أن يبدأ مباشرة من عند قول الله تبارك وتعالي : ( وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) وكذالك لو قرأ الآية من أولها إلي نهايتها دون وقف هنا يتحقق مراد الله تبارك الله ويتضح المعني الصحيح للآية والله أعلي وأعلم
الوقف والابتداء الصحيح وأثره في التدبر
اختتم الشيخ محمد محمود عيسى رسائله بالتأكيد على أن علم الوقف والابتداء ليس مجرد ترفٍ علمي، بل هو أداة ضرورية لكل محب للقرآن. وأشار إلى أن “فلسفة القراء المشاهير” أحياناً قد تطغى على المعنى، داعياً القراء إلى ضرورة دراسة معاني الكلمات لضمان الوقوف عند المعنى التام والابتداء بما يوضح مراد الله عز وجل.
الشيخ محمد محمود عيسى
منشاة سلطان – منوف – المنوفية




