الوحدة الكروية… حين تتحدث البشرية بلغة واحدة (2) عندما تصبح الكرة أقوى من الحدود

بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير
في الثامن من أكتوبر عام 2005، كانت دولة ساحل العاج (كوت ديفوار) تمزقها حرب أهلية طاحنة انقسمت البلاد بخط نار فاصل بين شمال متمرد وجنوب حكومي، وتوقفت لغة الحوار ليتحدث الرصاص وحده.
دروغبا ورفاقه.. عندما أنهت كرة القدم الحرب الأهلية في كوت ديفوار
في ذلك المساء، وفي غرفة تغيير الملابس بملعب “المريخ” في السودان، وبعد أن حسم المنتخب الإيفواري تأهله التاريخي الأول إلى كأس العالم، التقط المهاجم الأسطوري ديدييه دروغبا الميكروفون من إحدى القنوات التلفزيونية. لم يتحدث دروغبا عن التكتيك أو الانتصار الرياضي، بل جثا على ركبتيه مع زملائه الذين ينتمون إلى أعراق وأديان وقبائل مختلفة من شمال البلاد وجنوبها ووجهوا رسالة واحدة للأمة:
“أيها الإيفواريون، نرجوكم، من فضلكم، ألقوا أسلحتكم، ونظموا انتخابات حرة”
خلال أسبوع واحد فقط، استجاب الطرفان المتنازعان، وتم إعلان وقف إطلاق النار لقد نجحت تشكيلة من أحد عشر لاعباً في تحقيق ما عجزت عنه الدبلوماسية الدولية وقوات حفظ السلام لسنوات. في تلك اللحظة، لم تكن كرة القدم مجرد لعبة، بل كانت قوة قاهرة تجاوزت خطوط النار، وأثبتت أن الكرة، في لحظات الإلهام الإنساني، أقوى من الحدود والخنادق.
خرائط بلا أسلاك شائكة
تُعرّف الحدود السياسية في الجغرافيا الكلاسيكية بأنها خطوط وهمية أو طبيعية تفصل بين سيادات الدول، وغالباً ما تُحرس بالجيوش والأسلاك الشائكة وجوازات السفر لكن المستطيل الأخضر يقدم للبشرية “جغرافيا بديلة”، جغرافيا لا تعترف بتأشيرات الدخول ولا تصنف البشر إلى دول عالم أول وعالم ثالث.
عندما تنطلق بطولة كأس العالم، يُعاد رسم خريطة الكرة الأرضية وفقاً لمعايير الشغف والانتماء تتلاشى الحدود الجغرافية ليحل محلها فضاء وجداني واسع، حيث يمكن لمواطن في أقاصي آسيا أن يبكي لخروج منتخب لاتيني، ويمكن لمقهى في الشرق الأوسط أن ينقسم إلى نصفين تشجيعاً لمنتخبين أوروبيين. إن هذا التماهي العابر للحدود يؤكد نظرية عالم الاجتماع “بنديكت أندرسون” حول “المجتمعات المتخيلة”، حيث تخلق كرة القدم مجتمعاً عالمياً متخيلاً، يشعر فيه الأفراد بارتباط عميق مع أشخاص لم يلتقوا بهم قط، يجمعهم فقط حب قميص معين أو أسلوب لعب محدد.
حين يذوب الجليد الدبلوماسي في المستطيل الأخضر
إن تاريخ العلاقات الدولية مليء بالصراعات والتوترات التي استعصت على طاولات المفاوضات، لكن ملاعب كرة القدم كانت دائماً تقدم مساحة استثنائية لـ “الدبلوماسية الشعبية”.
ولعل المشهد الأبرز في هذا السياق هو مباراة الولايات المتحدة وإيران في كأس العالم بفرنسا عام 1998 في ذروة القطيعة السياسية والعداء الدبلوماسي بين البلدين، التقى المنتخبان في مدينة ليون قبل صافرة البداية، تقدم لاعبو المنتخب الإيراني حاملين باقات من الورود البيضاء، وقدموها للاعبي المنتخب الأمريكي، ثم تداخل لاعبو الفريقين في صورة تذكارية جماعية عفوية لم تنهِ تلك المباراة الخلافات السياسية العميقة، لكنها أرسلت رسالة سوسيولوجية بالغة الأهمية:
أن التعايش السلمي ممكن، والأفراد قادرون على تجاوز أخطاء السياسيين
كرة القدم لا تملك جيوشاً لفرض السلام، لكنها تملك ما هو أهم: القوة الناعمة التي تكسر الصورة النمطية السلبية عن “الآخر” إنها تعيد أنسنة الخصم، وتذكر الجماهير المعبأة سياسياً بأن من يقف على الضفة الأخرى من الصراع هو إنسان يمتلك نفس الشغف، ويحتفل ويبكي ويسعى للنجاح تماماً كما نفعل نحن.
أبناء الشتات وصياغة الهوية العابرة للقارات
مع اتساع رقعة المشاركة في المونديال إلى 48 منتخباً، تبرز ظاهرة اجتماعية شديدة التعقيد والجمال في آن واحد: “منتخبات الشتات” في العصر الحديث، لم تعد الهوية الوطنية محصورة في مكان الولادة الجغرافي كرة القدم أصبحت المرآة العاكسة لحركة الهجرة العالمية والتداخل الثقافي.
نجد لاعبين ولدوا ونشأوا في العواصم الأوروبية، لكنهم يختارون تمثيل منتخبات بلدانهم الأصلية في أفريقيا أو آسيا أو أمريكا اللاتينية، تلبية لنداء جذورهم وثقافة آبائهم وفي المقابل، نجد منتخبات أوروبية كبرى تُتوج بالبطولات بفضل لاعبين من أصول مهاجرة، دمجتهم ساحات الملاعب قبل أن تدمجهم قوانين المجتمع.
هذا التداخل الإنساني يعيد تعريف مفهوم “الحدود الوطنية “عندما يهتف الملايين في بلد أفريقي فقير للاعب يحمل جنسية مزدوجة ويلعب لمنتخبهم الوطني، فإنهم يلغون آلاف الأميال من المحيطات، ويؤكدون أن الانتماء حالة روحية قبل أن يكون ختماً على جواز السفر لقد جعلت كرة القدم من “الوطن” فكرة محمولة في القلوب، تتنقل مع اللاعبين أينما ذهبوا.
ديمقراطية المشاركة.. 48 مقعداً على طاولة العالم
لم يكن قرار الاتحاد الدولي لكرة القدم بزيادة عدد المنتخبات المشاركة إلى 48 منتخباً من أصل 211 اتحاداً كروياً، مجرد قرار رياضي لزيادة عدد المباريات وحجم العوائد التلفزيونية من منظور حضاري، هذا القرار هو توسيع لمظلة العدالة الكروية، ويمثل خطوة نحو بناء قرية عالمية أكثر شمولاً.
تتجسد الأبعاد الإنسانية والاجتماعية لهذا التوسع في عدة نقاط مفصلية:
- منح الصوت للمهمشين: دول كثيرة لا تجد مساحة في نشرات الأخبار العالمية إلا في كوارثها الطبيعية أو أزماتها الاقتصادية المونديال يمنح هذه الدول فرصة للظهور بصورة إيجابية، وتقديم ثقافتها وفنونها وابتسامات شعوبها للعالم بأسره.
- إنعاش الأمل الوطني: مجرد التأهل إلى المونديال لدولة صغيرة قادرة على إحداث نهضة معنوية لا تُقدر بثمن إنه اعتراف دولي بوجودهم وكيانهم، ما يعزز ثقة الأجيال الشابة بهويتهم.
- التقارب بين “المركز” و”الأطراف”: يخلق النظام الجديد مواجهات مباشرة بين دول الشمال الغني ودول الجنوب النامي في تلك الدقائق التسعين، تتساوى الفرص تماماً، ويكون الميدان هو الحكم الوحيد، مما يعزز فكرة المساواة الإنسانية.
خريطة ترسمها الأقدام
في نهاية المطاف، تبني السياسة جدراناً عازلة، وتفرض الجغرافيا تضاريس قاسية، وتصنع الحروب خنادق عميقة، لكن كرة القدم تمتلك سراً إلهياً عجيباً يُمكّنها من التحليق فوق كل هذا الخراب.
حين تتدحرج تلك الكرة، تتهاوى أعتى الحدود الفاصلة يصبح العالم بأسره مدينة واحدة، شوارعها المدرجات، ولغتها الهتاف، وقانونها اللعب النظيف. إن “الوحدة الكروية” ليست مجرد شعار رومانسي نردده في المناسبات الرياضية، بل هي حقيقة سوسيولوجية ملموسة، تُثبت يوماً بعد يوم أن ما يجمع البشر أكثر بكثير مما يفرقهم، وأن الأقدام التي تركض خلف حلمها المشترك، قادرة على رسم خريطة جديدة لعالم يتسع للجميع، عالم بلا حدود، وبلا بنادق.
وَلِأَنَّهَا أَكْثَرُ مِنْ مُجَرَّدِ لُعْبَةٍ، كَانَ شِعَارُهَا:
الْوَحْدَةُ الْكُرَوِيَّةُ.. شَغَفٌ يُوَحِّدُ الْوِجْدَانَ، وَلُغَةٌ يَفْهَمُهَا كُلُّ إِنْسَانٍ
السفير د. أحمد سمير
عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة
السفير الأممي للشراكة المجتمعية
رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية








