خاطرة قرآنية:لمحة بيانية تكشف سر النجاة في طوفان نوح عليه السلام

بقلم التربوي / الشيخ محمد عرفة البهادي
تحمل آيات الذكر الحكيم في طياتها أسرارًا بلاغية تدهش العقول وتعمق الإيمان؛ ومن بين هذه اللمسات البيانية الفريدة ما جاء في سورة القمر، بعدما أغرق الله عز وجل الأرض بمن فيها انتصاراً لنبيه نوح عليه السلام. حيث لم تأتِ الآية الكريمة باللفظ المباشر المتوقع “وحملناه على سفينة”، بل جاء التعبير الإلهي المعجز في قوله تعالى: {وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ}؛ والدُّسُر في لغة العرب هي المسامير التي تُشد بها الألواح، وهو ما يفتح بابًا واسعًا للتدبر حول الحكمة من هذا الاختيار اللفظي الدقيق.
الحكمة من تفكيك السفينة إلى خشب ومسامير أمام الأمواج
تتجلى الحكمة الربانية في هذا التعبير لأن الله سبحانه وتعالى يريد أن يبين لنا ضعف المكونات المادية لتلك السفينة البدائية أمام الأمواج العاتية المتلاطمة. وجاء هذا الوصف ليعلم البشر أن هذه الألواح والمسامير إنما هي من باب بذل السبب المأمور به إنسانيًا والأخذ بالأسباب فقط، ولولا حفظ الله ولطفه ورعايته لهم ما صبرت هذه الأخشاب البسيطة على مواجهة موج كالجبال؛ ولذا أكد الله سبحانه وتعالى هذا المعنى العظيم في الآية التي تلتها مباشرة حين قال: {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} لتكون النجاة بالرعاية الإلهية لا بقوة السفينة.
عقيدة التوكل: جوارح تعمل وقلوب تتعلق بمسبب الأسباب
تضعنا هذه الخاطرة القرآنية أمام حقيقة إيمانية خالدة: فقد خاب وخسر من تعلق بما يبذل من الأسباب المادية، وأفلح وفاز من تعلق برب الأرباب. فالدعوة المستفادة هنا هي ألا تعلق نفسك وأمالك بالسبب، بل علقها دائمًا بمسبب الأسباب؛ فلا تظن أن مهارتك أو ذكاءك (“شطارتك وفهلوتك”) هما اللذان جلبا لك الرزق، أو الصحة، أو القبول والمحبة عند الناس، بل هي أرزاق مقسومة وأقدار مكتوبة. والواجب على المؤمن أن تعمل جوارحه في السعي، بينما يتوكل قلبه بالكامل على الله، مع مداومة إحسان الظن به سبحانه ليرزقه من حيث لا يحتسب.