أراء وقراءات

حين بكى الضمير: مرافعة “أغيثونا” لأحمد زكي.. استغاثة وطن لم تنتهِ حتى اليوم!

ليست كل المرافعات تُلقى في قاعات المحاكم، فبعضها يُلقى في قاعات الضمير، وليست كل الأحكام تصدرها منصة القضاء، فبعضها يصدره التاريخ ويبقى مفتوحاً ما بقيت الحياة.

في هذه القراءة التحليلية لمقال الكاتب صلاح الجنيدي، نأخذكم عبر “موقع وضوح الإخباري” في رحلة لاسترجاع المرافعة السينمائية الأشهر في تاريخ الفن العربي؛ مرافعة فيلم “ضد الحكومة” للعبقري الراحل أحمد زكي، والتي لم تكن مجرد مشهد في فيلم، بل استغاثة وطن يخشى أن يصبح موت أطفاله خبراً عادياً وعابراً.

عبقرية البناء الدرامي: إنسان من لحم ودم وليس بطلاً من نور

في فيلم “ضد الحكومة”، لم يقدم الراحل أحمد زكي محامياً نزيهاً جاء ليقاتل الفساد منذ البداية، بل قدم إنسانًا اعترف بأنه كان جزءاً منه؛ تاجر بالقانون، وبالأخلاق، وبالشرف، ودخل القضية طمعاً في المال.

وهنا تكمن العبقرية؛ فالكاتب لم يصنع بطلاً من نور، بل صنع إنساناً أخطأ، وسقط، ثم استيقظ ضميره، ولأن الاعتراف هو أول أبواب الخلاص، فقد صدقه الجمهور وتفاعل معه.

فاجعة الحادثة: عندما تحول ملف القضية إلى سؤال مرير

ثم جاء الطفل؛ ولم يكن طفلاً واحداً، بل كان ابن كل أب، وابن كل أم، وابن هذا الوطن. خرج يحمل حقيبته المدرسية يحلم بيوم عادي، فعاد إلى أهله محمولاً على الأكتاف.

في تلك اللحظة الفارقة من الفيلم:

  • لم يعد ملف القضية مجرد أوراق تُتداول في المحكمة.

  • لم تعد القضية مجرد تعويض مالي يُطلب من الجهات المعنية.

  • أصبح الحادث سؤالاً مريراً: كم حياةً يدفعها الأبرياء ثمنًا للإهمال؟

“كلنا فاسدون”: الصمت كشريك في المأساة

ثم دوَّت العبارة التي ستظل واحدة من أشهر ما قيل في السينما العربية:

«كلنا فاسدون… كلنا فاسدون… لا أستثني أحداً… حتى بالصمت العاجز الموافق قليل الحيلة.»

سواء اتفقنا مع إطلاق هذه العبارة الشمولية أو اختلفنا معها، فقد نجحت في أن توقظ سؤالاً لا يهدأ في النفس البشرية: هل يمكن أن يصبح الصمت شريكاً في المأساة؟

أداء أحمد زكي: الاحتراق الداخلي ورحلة البحث عن الضمير

عندما يقف أحمد زكي أمام الكاميرا في هذا المشهد، فإن اللغة تعجز عن الوصف؛ لم يكن يمثل بل كان يحترق، كانت الكلمات تخرج من قلبه قبل أن تخرج من شفتيه، وكان انكساره أبلغ من أي صراخ. وحين قال: «أنا ومعي المستقبل كله نلوذ بكم ونلجأ إليكم… فأغيثونا… أغيثونا…»، لم تعد المحكمة قاعة في فيلم، بل أصبحت ضمير كل من شاهد المشهد.

إن أعظم عبقرية لأحمد زكي في هذا العمل أنه لم يجعلنا نصفق للمحامي، بل جعلنا نحاسب أنفسنا معه؛ بدأ رجلاً باع ضميره، وانتهى إنساناً يبحث عنه. وهل هناك رحلة أشق من رحلة الإنسان إلى ضميره بعد أن أضاعه؟!

مرافعة مستمرة أمام محكمة التاريخ

رحل الفتى الأسمر أحمد زكي، لكن بعض الأصوات لا ترحل؛ تبقى كلما سقط بريء بسبب إهمال، وكلما ضاع حق لأن أحداً خاف أن يتكلم، وكلما نام ضمير كان ينبغي أن يستيقظ. ولهذا لم تعد مرافعة “ضد الحكومة” مجرد مشهد عابر وخالد في تاريخ السينما، بل أصبحت مرآة نسأل فيها أنفسنا قبل أن نسأل غيرنا.

انتهى الفيلم.. أما القضية فما زالت منظورة أمام محكمة الضمير، وما زال ذلك الصوت، كلما خيَّم الصمت على الحقيقة، يأتينا من بعيد: «أغيثونا…».

منقول بتصرف عن مقال للكاتب صلاح الجنيدي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى