تقرير أمريكي : بناء السلام هو الملاذ الأخير لمنع انهيار السودان

كتبت – د.هيام الإبس
حذر تقرير تحليلي حديث نشرته مجلة “سمول وورز جورنال” (Small Wars Journal) الأمريكية من خطورة الانزلاق السوداني المستمر، مؤكداً أن التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع لن يكون كافياً وحده لإنقاذ البلاد. وأوضح التقرير أن التركيز الدولي يجب أن ينتقل فوراً من مجرد “صناعة السلام” والهدن المؤقتة إلى استراتيجية عميقة ومستدامة لـ “بناء السلام” من الجذور، باعتبارها الطريق الوحيد لتفكيك مسببات الصراع ومنع انهيار الدولة الشامل.
أزمة السودان أعمق من صراع عسكري: جذور تاريخية ممتدة
أوضح الباحث السوداني فوزي أحمد، المتخصص في قضايا الحوكمة وبناء السلام، أن المجتمع الدولي يفرط في التركيز على الحلول السياسية الفوقية والاتفاقيات بين قادة الحركات المسلحة، متجاهلاً الأسباب الحقيقية للأزمة.
وأشار التقرير إلى أن السودان يعيش منذ استقلاله في حلقة مفرغة من الحروب تليها تسويات مؤقتة تفشل دائماً في معالجة أزمات التهميش السياسي والاقتصادي، وضعف مؤسسات الدولة، وسيطرة النخب العسكرية. وعلى سبيل المثال، نجح اتفاق السلام الشامل عام 2005 في إنهاء حرب أهلية طويلة، لكنه أبقى على البنية الأمنية المشوهة التي فجرت الحرب الحالية في أبريل 2023.
كلفة إنسانية باهظة ومؤشرات “إبادة جماعية”
تحول الصراع الحالي إلى واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية عالمياً، حيث تسبب في نزوح الملايين وتدمير البنية التحتية. ونقل التقرير أرقاماً صادمة عن منظمة اليونسكو تؤكد تدمير نحو 90% من البنية التحتية الإعلامية في السودان، واضطرار نحو ألف صحفي إلى النزوح.
علاوة على ذلك، سلطت الدراسة الضوء على تحذيرات بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة، والتي أفادت بأن العمليات العسكرية لقوات الدعم السريع في مدينة الفاشر تحمل “سمات الإبادة الجماعية”، في ظل انتهاكات واسعة وممنهجة ضد المجتمعات غير العربية في إقليم دارفور.
المحاور الخمسة لخطة بناء السلام الشامل في السودان
يرى التقرير أن أي هدنة ستوفر خفضاً مؤقتاً للعنف ما لم تترافق مع خطة إعادة بناء هيكلية تقوم على 5 ركائز أساسية:
1. المصالحة المجتمعية ومحاربة خطاب الكراهية
ترميم النسيج الاجتماعي الذي مزقته الانقسامات الإثنية. ورغم انطلاق مبادرات محلية بقيادة منظمات المجتمع المدني لمكافحة خطاب الكراهية في دارفور، إلا أنها تظل بحاجة إلى دعم دولي مستدام.
2. نظام سياسي شامل وممثل للجميع
صياغة عقد سياسي جديد لا يقتصر على قادة الجيش والدعم السريع، بل يدمج لجان المقاومة، النساء، الشباب، والنقابات، مع ضمان تمثيل عادل للمناطق المهمشة مثل دارفور، والنيل الأزرق، وجبال النوبة، وشرق السودان في السلطة والثروة.
3. إصلاح هيكلي شامل للقطاع الأمني
تنفيذ برامج حقيقية لنزع السلاح، والتسريح، وإعادة دمج المقاتلين (DDR)، مع إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية ووضعها بالكامل تحت سلطة مدنية، لإنهاء تعدد الجيوش ومراكز القوى.
4. العدالة الانتقالية والمحاسبة الدولية
تأسيس آليات قضائية مختلطة (سودانية – دولية) تضمن محاسبة المسؤولين عن جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، والتطهير العرقي، كخطوة لا غنى عنها لتحقيق استقرار مجتمعي دائم.
5. تفكيك “اقتصاد الحرب” وإعادة الإعمار
مواجهة شبكات المصالح التي تطيل أمد الحرب للاستفادة من مناجم الذهب والتهريب والموارد الطبيعية، ودمج مشاريع إعادة الإعمار وخلق فرص عمل للشباب كجزء أصيل من عملية السلام وليس كمرحلة لاحقة.
تراجع التمويل الدولي والمصالح الاستراتيجية
انتقدت الدراسة تراجع القدرات والتمويل الدولي الموجه لبناء السلام والتنمية الهيكلية، حيث انحصرت الاستجابة الدولية في الزوايا العسكرية والإنسانية الضيقة. واختتم الباحث تقريره بالتأكيد على أن إنقاذ السودان يمثل مصلحة استراتيجية حيوية للولايات المتحدة والمجتمع الدولي، نظراً لموقعه الجيوسياسي الحساس المطل على البحر الأحمر، مشدداً على أن الهدن تنهي المعارك مؤقتاً، لكن بناء السلام وحده هو الذي ينهي الحروب.



