الخيرة فيما اختاره الله.. كيف يتحول الرضا بالقضاء إلى سكينة وإيمان يملأ القلب؟

بقلم: التربوي الشيخ / محمد عرفة البهادي
تستقر في عمق النفس البشرية حقيقة إيمانية خالصة تتجاوز مجرد الترديد باللسان لإطفاء لهيب القلوب، وتتمثل في الإدراك العميق لعمق معاني “الخيرة فيما اختاره الله”، حيث يدرك المؤمن أن العبد يتقلّب في هذه الحياة في تدبير الرحمان وحكمته.
وإن ظن الإنسان أنه يملك خياره، فإن تدبير الله المحفوف بالرحمة والحكمة هو المحيط بكل شأن، ولو كُشف للعبد حجاب الغيب ورأى دقيق تدبير الله له، لذاب قلبه حبًا وشكرًا ولهج بالمحمدة.
تدبير الإله ورحمته.. استشهاد من القرآن والسنة
يقترن الإيمان بالتدبير الإلهي بأصل التسليم والرضا بما قسمه الله لعباده، فالله عز وجل يقول في محكم تنزيله:
﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 216)
وتكتمل هذه الرؤية الإيمانية بما جاء في الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وسلم إذ يقول:
«عَجَبًا لأَمْرِ المِؤْمِنِ، إنَّ أمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وليسَ ذاكَ لأَحَدٍ إلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إنْ أصابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكانَ خَيْرًا له، وإنْ أصابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكانَ خَيْرًا له» (رواه مسلم)
الرضا بمكروه القدر.. نهج الصحابة والسلف الصالح
يتجلى المعنى الحقيقي للتسليم حين يطأ المرء على رغبته واحتياجه مفوضًا أمره للبارئ، حتى يصبح الحمد صادرًا من أعماق القلب قبل اللسان. وفي هذا المعنى العظيم، يُروى عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه أنه قال:
“الرضا بمكروه القدر أعظم عند الله من الرضا بمحموده”
وقد تجسد هذا الفهم لدى خليفة المسلمين الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قال: “ما أبالي على أي حال أصبحت، على ما أحب أو على ما أكره، لأني لا أدري الخير فيما أحب أو فيما أكره”.
فالرضا يورث الفرج والرضوان، وكما جاء في الأثر: “إن رضيت بما قسمته لك أرحت قلبك وبدنك وكنت عندي محمودًا”، ليكون الرضا بالخيرة الإلهية حياة فوق الحياة، وأسمى ما يرجوه المسلم في دُنياه.



