تصاعد التوتر في شرق النيجر بعد مساعٍ لسحب جنسية “عرب المحاميد” وتخوفات من الترحيل

كتبت – د. هيام الإبس
تشهد منطقة “ديفا” الحدودية بشرق النيجر حالة من الترقب والأزمة المتصاعدة، عقب بدء السلطات المحلية إجراءات لسحب وثائق الهوية والجنسية من أفراد قبيلة “المحاميد” العربية، وسط مخاوف حقوقية وأهلية من أن تكون هذه الخطوة تمهيداً لترحيلهم جماعياً نحو تشاد، في سيناريو يعيد للأذهان أزمة مشابهة شهدتها البلاد قبل نحو عقدين. مفاوضات معقدة ورفض لأوامر “الداخلية“
ونقلت مصادر مطلعة، أن مفاوضات جرت في مدينة “نغيغمي” بين مسؤولين محليين ووفد يمثل قبيلة المحاميد، أُبلغ خلالها الأخير بضرورة تسليم كافة وثائق الحالة المدنية والحسابات الرسمية (بطاقات الهوية، شهادات الميلاد، وجوازات السفر).
وأشارت المصادر إلى أن المسؤولين التابعين للسلطة العسكرية أرجعوا القرار إلى “تعليمات مباشرة من وزير الداخلية”، دون تقديم سند قانوني مكتوب أو توضيح لآلية التعامل مع مواطنين وُلد العديد منهم على أراضي النيجر ويحملون جنسيتها منذ عقود.
وفي المقابل، أبدى ممثلو القبيلة رفضاً قاطعاً لتسليم وثائقهم الرسمية، مطالبين بنقل الملف إلى العاصمة “نيامي” وفتح حوار مباشر مع الحكومة المركزية.
“نحن هنا منذ أكثر من 50 عاماً، وُلدنا في هذه الأرض، وندفع الضرائب كاملةً ونلتزم بالقانون .. سحب أوراقنا أمر غير قانوني.” أحد أعيان المحاميد في تسجيل صوتي متداول.
توضيح حكومي وتخوف من “انعدام الجنسية“
من جانبها، نَفَت مصادر مسؤولة أن تكون هذه الإجراءات موجهة ضد المكون العربي بشكل خاص، مؤكدة أنها تأتى ضمن حملة شاملة تستهدف “تنظيم الإقامة ومراجعة وضع المجموعات التي دخلت البلاد بطرق غير قانونية“.
وأضافت أن التعليمات تنص على إعادة الأشخاص المنحدرين من دول مجاورة إلى موطنهم الأصلي، حتى وإن كانوا قد حصلوا على أوراق نيجرية في سنوات سابقة.
ويرى مراقبون أن سحب الوثائق الثبوتية يضع آلاف السكان أمام خطر “انعدام الجنسية” (Statelessness)، ويسلبهم القدرة القانونية على إثبات مواطنتهم، مما يضاعف من تعقيد المشهد الأمني والإنساني في الإقليم.
مصادرة الإبل وتجدد صراع الموارد
ولم تقتصر أبعاد الأزمة على الجانب الإداري؛ إذ بالتزامن مع التحركات الرسمية، أقدمت السلطات على مصادرة نحو 2000 رأس من الإبل المملوكة لرعاة من المحاميد، قبل أن تعيدها لاحقاً عقب موجة غضب وتداول واسع لمقاطع فيديو توثق العملية على وسائل التواصل الاجتماعي، في خطوة يُعتقد أنها محاولة من السلطات لتهدئة الشارع.
وبحسب التحليلات الميدانية، فإن جذور الأزمة لا ترتبط بقضايا أمنية أو بالإرهاب—حيث لم يُسجَّل انخراط أبناء القبيلة في الجماعات المسلحة بالساحل—بل تعود إلى:
صراعات الرعي والمياه: تنافس حاد بين الرعاة المترحلين والمجتمعات الزراعية المستقرة في إقليم ديفا.
الضغط على الموارد: احتكاكات متكررة جراء اتلاف المحاصيل والمنافسة على المصادر المائية الشحيحة.
من هم عرب المحاميد؟
“عرب المحاميد” هم مجموعات قبائل عربية مسلمة ناطقة بالعربية، ينتمون تاريخياً إلى جذور شبه الجزيرة العربية، ويمتد وجودهم في إفريقيا ضمن نسيج قبائل الرزيقات والبقارة المنتشرة عبر إقليم الساحل والصحراء، لا سيما في السودان وتشاد والنيجر.
أهم سماتهم وتاريخهم:
النمط الاقتصادي والحياة:
يعتمد المحاميد بشكل أساسي على حياة الرعي والترحال وتربية الإبل والمواشي، وهو ما جعلهم يتنقلون عبر مساحات شاسعة في الصحراء الكبرى وإقليم الساحل بحثاً عن المراعي والماء.
تاريخ الهجرة والاستقرار في النيجر:
وصلت موجات متتابعة من أفراد قبيلة المحاميد إلى شرق النيجر على مرحلتين رئيسيتين:
- موجة السبعينيات: جراء موجات الجفاف القاحلة التي ضربت منطقة الساحل الإفريقي وتأثرت بها تشاد والسودان.
- موجة الثمانينيات: هرباً من الحروب والصراعات المسلحة والاضطرابات السياسية التي شهدتها تشاد في تلك الفترة.
مناطق التمركز في النيجر:
استقر معظم أفراد المحاميد في أقاليم أقصى الشرق النيجري المحاذية للحدود التشادية، وتحديداً في مناطق: ديفا، نغيغمي، ماين سوروا، وغودوماريا.
الوضع الاجتماعي والسياسي:
على الرغم من اندماج الكثير منهم في المجتمع النيجري وحصولهم على الوثائق الرسمية والمواطنة ودفعهم للضرائب على مدى عقود، إلا أن طبيعة حياتهم الرعوية أدخلتهم في نزاعات متكررة مع المجموعات المستقرة والزارعة حول الموارد الطبيعية (الأراضي والمياه)، وهي النزاعات التي تتطوّر أحياناً إلى أزمات سياسية وأمنية مع السلطات الحكومية.
ظلال أزمة 2006 تلوح في الأفق
تُعيد هذه التطورات الأذهان إلى أكتوبر 2006، عندما أعلنت الحكومة النيجرية حينها قراراً بترحيل أفراد المحاميد إلى تشاد لذات الذرائع المتعلقة بالنزاعات على المراعي والإقامة غير القانونية، وهي الأزمة التي تراجعت عنها نيامي لاحقاً بعد ضغوط إقليمية ومفاوضات مكثفة.
غير أن الأزمة الحالية تأتي بأبعاد أكثر حساسية؛ بالنظر إلى التحولات السياسية والعسكرية الأخيرة في النيجر، وفي ظل تمسك المحاميد بأنهم مواطنون شرعيون ينتمون للبلاد أباً عن جد، وليسوا مجرد لاجئين أو مهاجرين عابرين.




