أراء وقراءات

عندما يكون فشل الخصم درعك الحقيقي: مفارقة القناص وإدارة الصراعات

بقلم: مدحت مرسي

“سأل ضابطٌ قنّاصًا في الجيش: ما رأيك في قنّاص جيش العدو؟

فأجاب: فاشل، يرمينا ولا يصيبنا!

فسأله: لماذا لا تتخلص منه؟

فقال: أخشى أن يستبدلوه بقنّاصٍ جيد… فيقتلني!”

تختصر هذه القصة رمزيةً عميقة في علم إدارة الصراعات وشؤون الحياة؛ فليس كل انتصار بالضرورة مكسباً، وأحياناً تكون بقاء نقاط ضعف الخصم هي الدرع الحقيقي للنجاة. إن تحديد الخطر لا يعتمد فقط على وجود العدو، بل على مدى كفاءته وقدرته على تغيير قواعد اللعبة.

البعد النفسي والاجتماعي: الأمان الزائف والتكيف مع الخطر

  • إنسانياً: يخشى العقل البشري المجهول أكثر من خشيته من الخطر المعلوم. ففي النفس البشرية، تمنح رؤية عجز الطرف الآخر شعوراً بالاستعلاء والأمان الزائف، مما يقلل من مستويات التوتر والخوف اليومي المستمر.

  • اجتماعياً ومؤسسياً: يتم في العديد من المجتمعات والمؤسسات حماية أو التغاضي عن الشخص غير الكفء في موقع معين؛ لأن وجوده يضمن استقرار الأوضاع الحالية ويمنع صعود عناصر كفؤة قد تُربك النظام القائم أو تُهدد المصالح المستقرة.

البعد السياسي والإستراتيجي: سياسة الاحتواء بدلاً من الحسم

تتجلى هذه المفارقة في السياسة الدولية والعلاقات الإستراتيجية، حيث تُفضل القوى الكبرى بقاء أنظمة أو قيادات ضعيفة لدى الخصوم بدلاً من التخلص منها؛ لأن القضاء عليها قد يفتح الباب لمجيء قيادات أكثر ذكاءً وقوة وتأثيراً.

وتعتمد الكثير من السياسات على إدارة الصراع بدلاً من إنهائه، وتجنب حسم المعركة بشكل كامل إذا كان الحسم سيفتح أبواباً لسيناريوهات غير مضمونة النتائج. فوجود عدو ضعيف يُعد أداة تخدم التعبئة الداخلية دون تكلفة حقيقية في الأرواح أو الموارد.

خارطة طريق: التكيف النفسي والإتفاقات الضمنية في بيئة الضغط

إن وجود خصم فاشل لا يصيب أهدافه يُعد ميزة إستراتيجية وليس مجرد ثغرة، وذلك لعدة أسباب:

  • التكيف مع البيئة الخطرة: تُمثل الحرب بيئة ضغط نفسي هائل، ووجود قناص فاشل يخلق نوعاً من الروتين الآمن وسط الفوضى.

  • السيطرة على التوتر: يتكيف العقل مع صوت الرصاص الفاشل كدليل على سلامته، مما يقلل من إفراز هرمونات التوتر (الكورتيزول والأدرينالين) ويساعد على الصمود النفسي.

  • الاتفاقات الضمنية غير المعلنة: في الصراعات الممتدة، ينشأ التكيف الضمني؛ حيث يشعر الفرد أن التخلص من نقطة ضعف العدو سيعيد رفع حدة الصراع ويضعه في خطر أشد، فيفضل الإبقاء على الوضع الراهن للحفاظ على بقائه.

  • الشعور بالسيطرة: رؤية فشل الغريم تُولد شعوراً بالسيطرة والسيادة على الموقف (“أنا أفضل منه وهو لا يشكل تهديداً حقيقياً”).

إن الأمان النفسي والقدرة على التنبؤ بالخطر هما غالباً أهم لدى الإنسان من تحقيق انتصار لحظي قد يفتح عليه أبواب خطر أكبر لا يُحمد قُبله.

مدحت مرسي 

كاتب وباحث وخبير تنمية بشرية 

زر الذهاب إلى الأعلى