“صفعة غينية” لتكامل إفريقيا: كوناكري تمزق “إيكو” 2027 وتفتح جراح الوحدة النقدية

كتبت – د. هيام الإبس
في تحول درامي يُهدد أحد أقدم مشاريع التكامل الاقتصادي في القارة السمراء وأكثرها طموحاً، وجهت غينيا ضربة موجعة لمشروع العملة الموحدة لدول غرب إفريقيا (الإيكو)، معلنةً تمسكها بالفرنك الغيني ورفضها الانضمام إلى الاتحاد النقدي المزمع إطلاقه في يوليو 2027.
قرار كوناكري لا يمثل مجرد انسحاب من مشروع إقليمي، بل يفتح باب التساؤلات المشروعة حول مدى واقعية توحيد النقد في إقليم تتجاذبه الأزمات السياسية، والتباينات الاقتصادية الحادة، وتضارب الأولويات الوطنية.
خروج استراتيجي.. لا مجرد تعثر فني
لم يكن الموقف الغيني وليد “عجز” عن استيفاء معايير التقارب الاقتصادي الشارطة لـ “الإيكو” — كالسيطرة على التضخم، وضبط الدين العام، واستقرار السياسات المالية — بل جاء كـ “خيار استراتيجي مسبق”.
وترى كوناكري أن التخلي عن عملتها الوطنية لصالح نقد إقليمي موحد سيسلبها مرونة “السيادة النقدية”، وهي أداة رئيسية تستخدمها لإدارة اقتصادها القائم أساسًا على تصدير المواد الخام؛ وخاصة البوكسيت والذهب وخام الحديد.
واقع تجاري مُغاير: عيونٌ على آسيا لا الجوار
تتجلى الحكمة الاقتصادية خلف الموقف الغيني في هيكل تجارتها الخارجية؛ إذ إن نحو 80% من صادرات غينيا تتجه نحو الأسواق الآسيوية — وفي مقدمتها الصين — بينما تظل التجارة البينية مع دول الجوار الإفريقي ذات نطاق محدود.
التحليل الأبرز: ربط الاقتصاد الغيني بعملة موحدة لـ “إيكواس” كان سيفرض على البلاد كُلفة سياسية ونقدية باهظة دون أن يقابلها مكسب تجاري ملموس، مما قد يحرمها من أدوات سعر الصرف المرنة الكفيلة بامتصاص الصدمات الاقتصادية العالمية.
“الإيكو”: طموح يترنح بين الانقسام والضغوط
يأتي موقف غينيا ليزيد من تعقيد المشهد أمام المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس)، والتي كانت قد اعتمدت مؤخراً نهج “التطبيق التدريجي” لإطلاق العملة، عبر إدخال الدول المستوفية للشروط أولًا، ثم إلحاق البقية لاحقًا. غير أن العقبات الحقيقية تتجاوز الشروط المالية لتلامس الملف السياسي والتنظيمي:
-
انقسام التكتل الإقليمي: تسبب انسحاب مالي، وبوركينا فاسو، والنيجر من “إيكواس” وتأسيسها تحالفًا مستقلاً، في انكماش حجم السوق المستهدفة وتآكل البيئة السياسية المواتية للمشروع.
-
الخلافات المؤسسية: لا تزال الآليات المتعلقة بإدارة البنك المركزي الإقليمي، وحجم المساهمات، وطبيعة اتخاذ القرار المالي محل نزاع بين الدول الأعضاء.
صراع الرؤى: بين تجربة اليورو ومرونة النقد الوطني
تنقسم الآراء حول مستقبل مشروع العملة الموحدة إلى اتجاهين رئيسيين:
-
رؤية المؤيدين (على غرار تجربة اليورو): ترتكز حججهم على أن العملة الموحدة ستلغي معوقات التحويلات المالية وتقضي على مخاطر تقلبات أسعار الصرف بين دول المنطقة، مما يؤدي إلى تسهيل تدفق الاستثمارات وتنشيط التجارة البينية لخلق سوق إقليمية واعدة ومترابطة.
-
رؤية المعارضين (الموقف الغيني): يحذرون من أن التنازل عن العملة الوطنية في ظل اقتصاد غير مرن يفتقر للقواعد الإنتاجية المتنوعة سيسلب الدولة قدرتها على التحكم بسعر الصرف، ويرون أن هذا سيحرمها من أهم أدواتها النقدية لامتصاص الصدمات الاقتصادية العالمية لحماية صادراتها.
قمة ديسمبر.. اختبار الرمق الأخير
يتطلع المراقبون إلى قمة “إيكواس” المرتقبة في ديسمبر المقبل، باعتبارها محطة فاصلة لمستقبل المشروع؛ حيث من المقرر أن تحسم القمة هيكلية البنك المركزي الإقليمي، وتحدد قائمة دول “الدفعة الأولى” المنضمة للإيكو.
خلاصة المشهد: قرار كوناكري لن يقتل مشروع “الإيكو” بالكامل، لكنه يوجه رسالة حازمة لقادة المنطقة بأن الانضمام النقدي لا يمكن فرضه وفق قالب موحد على اقتصادات متباينة الأشكال والأحجام. فنجاح الاتحاد النقدي لن يتأتى عبر الالتزام الشكلي بالمعايير التضخمية، بل ببناء اقتصادات حقيقية، متنوعة، ومتكاملة تجعل من العملة الموحدة محركًا للنمو.. لا قيداً عليه.



