عسكرة النساء .. السودان يخوض أشرس مراحل “حرب الاستنزاف” وتوسع رقعة عسكرة المجتمع

كتبت – د. هيام الإبس
تجاوزت الحرب السودانية شوط المعارك التقليدية لتدخل رسمياً مرحلة “الاستنزاف الشامل”، حيث لم تعد خريطة السيطرة الميدانية تُقاس فقط بتبادل النفوذ على المدن والمحاور الاستراتيجية، بل باتت تمتد إلى عمق البنية الاجتماعية من خلال تعبئة شعبية واسعة تتضمن عسكرة النساء.
وتحت وطأة التصعيد العسكري المتكافئ، تتسع الفجوة الإنسانية إلى مستويات غير مسبوقة، مترافقة مع دخول سلاح الطائرات المسيرة كفاعل رئيسي يرسم تفاصيل المشهد الميداني ويضاعف كلفة النزاع.
صدمة ميدانية وتراجع قيادي في غرب دارفور
شهدت المحاور الشمالية لمدينة الجنينة، وتحديداً في منطقتي “حجر مرفعين” و”بئر سليبة”، اشتباكات هي الأكثر ضراوة خلال الأسابيع الأخيرة بين القوة المشتركة التابعة لحركات الكفاح المسلح المتحالفة مع الجيش السوداني، وقوات الدعم السريع.
وتمكنت القوة المشتركة من صد هجوم واسع للدعم السريع، أدى إلى مقتل اللواء مهدي جبل مون، قائد عمليات الدعم السريع في شمال الجنينة، واستعادة عتاد عسكري وثقيل. وأقرت منصات إعلامية موالية للدعم السريع بمقتل جبل مون، الذي يُعد ضربة عملياتية ونفسية موجعة للمجموعة “128” التي كان يقودها، بالنظر إلى أدوار سابقة أشرف خلالها على مدفعية الخرطوم وعمليات التماس الممتدة بين الطينة وكلبس وبئر دقيق.
وتكتسب هذه المواجهات أهمية حيوية لكونها جبهة حاكمة للطرق المؤدية إلى مدينة الطينة في شمال دارفور، وخط إمداد بين غرب الإقليم وشماله، مما يجعل الحفاظ على هذه النقاط ضرورة استراتيجية للطرفين.
سباق المحاور ورقعة “المسيّرات”
يأتي التصعيد في دارفور متزامناً مع مكاسب ميدانية حققها الجيش السوداني في شمال كردفان، بفرض سيطرته على مناطق “بارا”، “جبرة الشيخ”، و”أم سيالة”، وفتح طريق الصادرات الممتد بين أم درمان والأبيض. ووفق قراءات عسكرية، يسعى الجيش ونظراؤه إلى نقل قوة الدفع الميداني نحو دارفور، في مقابل استماتة قوات الدعم السريع لفرض طوق حماية حول مناطق نفوذها الحيوية.
وفي غضون ذلك، تعاظمت الأدوار الهجومية والاستطلاعية للطائرات المسيرة، محولة نقاط التماس إلى ساحة قصف دقيق.
وحذر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) من التبعات المباشرة لاستخدام المسيّرات على المدنيين، لافتاً إلى وقوع ضحايا جراء قصف استهدف قرية “غراة الزاوية” بمحلية كبكابية، فضلاً عن الهجمات المتكررة على محيط مدينة الأبيض ومطارها، ما يضع العمليات الإغاثية في مهب الريح.
شلل إغاثي ومجاعة محتدمة
عربياً ودولياً، تتراكم مؤشرات الأزمة الإنسانية مع عجز التمويل المالي لخطة الاستجابة الإنسانية الأُممية، والتي لم تتجاوز نسبة 40% من إجمالي الاحتياجات الطارئة.
وكشف برنامج الأغذية العالمي عن بيانات قاتمة تُظهر:
-
19.5 مليون شخص يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي.
-
825 ألف طفل تحت سن الخامسة يعانون من سوء التغذية الحاد.
-
9 ملايين نازح داخل البلاد وخارجها جراء المعارك الممتدة.
ويترافق هذا التدهور مع تضرر سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الوقود والأسمدة والمواد الأساسية نتيجة الاضطرابات المتواصلة في حركة الملاحة بالبحر الأحمر.
عسكرة المجتمع وشبح الصراع الاجتماعي
وعلى خطى التعبئة، برز تحول لافت تمثل في توسيع معسكرات تدريب النساء المدنيات ضمن برامج المقاومة الشعبية والاستنفار في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش.
وبينما تُدافع الأطراف الداعمة عن التوجه باعتباره حقاً مشروعاً للدفاع عن النفس وتعبئة الطاقات الوطنية، تُبدي منظمات حقوقية وشخصيات مستقلة قلقاً بالغاً. وفي هذا الصدد، حذرت الصحفية والحقوقية عازه إيرا من أن زج النساء في أتون العسكرة يحمل تداعيات نفسية واجتماعية بعيدة المدى، ويُعقد مستقبلاً مشروعات نزع السلاح وإعادة دمج المجتمع.
المشهد المفتوح
تؤكد المعطيات الميدانية والسياسية أن الحرب السودانية باتت تبتعد عن سيناريوهات الحسم السريع. ومع استمرار استنزاف قدرات الطرفين، وتداخل البعد الاجتماعي بالمشهد العسكري، تظل الكلفة الإنسانية هي الأكثر ثقلاً، مفروضةً على واقع معقد يتأرجح بين المعارك المفتوحة وتراجع آفاق الحلول السلمية.





