أراء وقراءات

صناعة الصورة الذهنية.. كيف يشكل الإعلام رؤيتنا لأنفسنا وللآخرين؟

بقلم / الدكتورة هناء خليفة

في عالم يتدفق فيه سيل هائل من الأخبار والصور ومقاطع الفيديو والرسائل الإعلامية، لم يعد الإنسان يرى الواقع كما هو، وإنما كما يُقدَّم له. فبين الحدث كما وقع، والحدث كما يصل إلى الجمهور، تتشكل مساحة واسعة من التفسيرات والانطباعات، وفي هذه المساحة تولد الصورة الذهنية.

وتعد الصورة الذهنية من أكثر المفاهيم تأثيرًا في علوم الإعلام والاتصال، لأنها ترتبط بالطريقة التي يدرك بها الإنسان الأشخاص، والقضايا، والمؤسسات، والمجتمعات. فهي لا تعكس الواقع كما هو، وإنما تعكس الكيفية التي استقبل بها العقل هذا الواقع، بعد أن أعاد تنظيم المعلومات وتحليلها وربطها بخبراته السابقة.

*الانطباع الأول.. بداية تكوين الصورة الذهنية

منذ اللحظات الأولى لأي تفاعل، يبدأ العقل في تكوين انطباع أولي يساعده على تفسير ما يحيط به. ويعتمد هذا الانطباع على مجموعة من المؤشرات، مثل طريقة الحديث، ولغة الجسد، والمظهر، ونبرة الصوت، بل وحتى المعلومات التي سبق أن تلقيناها عن الشخص أو المؤسسة.

ورغم أن الانطباع الأول قد يكون صحيحًا في بعض الأحيان، فإنه ليس دائمًا حكمًا موضوعيًا، لأنه يتكون قبل توافر معلومات كافية. لذلك يؤكد علماء الاتصال أن الانطباع الأول يمثل بداية تكوين الصورة الذهنية، وليس نهايتها.

*كيف تتشكل الصورة الذهنية؟

الصورة الذهنية لا تتكون بصورة عشوائية، وإنما هي نتاج عملية تراكمية تشترك فيها عوامل متعددة. فالأسرة تضع البذور الأولى للإدراك، والتعليم يوسع دائرة المعرفة، والخبرات الشخصية تضيف أبعادًا جديدة، كما تسهم الثقافة السائدة والبيئة الاجتماعية في ترسيخ كثير من التصورات.

إلا أن الإعلام يظل أحد أكثر العوامل تأثيرًا، لأنه المصدر الذي يمد الجمهور يوميًا بكم هائل من المعلومات والصور والرموز. ومع التكرار المستمر، تتحول بعض الرسائل إلى قناعات مستقرة، حتى وإن لم يستند الفرد فيها إلى تجربة مباشرة.

*كيف يصنع الإعلام الصورة الذهنية؟

يمتلك الإعلام أدوات متعددة تمكنه من التأثير في إدراك الجمهور. فهو يختار القضايا التي يمنحها الأولوية، ويحدد طريقة عرضها، ويستخدم الصور، والعناوين، والموسيقى، واللغة، وكلها عناصر تحمل رسائل تتجاوز الكلمات نفسها. 

كما يسهم التكرار في ترسيخ بعض الانطباعات، بينما يؤدي الانتقاء إلى إبراز جوانب معينة وإغفال جوانب أخرى، ويعمل التأطير الإعلامي على تقديم الحدث داخل سياق يوجه تفسير الجمهور له.

*الصورة الذهنية بين الواقع والصور النمطية

من أخطر نتائج الإعلام غير المتوازن ترسيخ الصور النمطية. فعندما تتكرر صورة معينة عن المرأة، أو الشباب، أو بعض المهن، أو الفئات الاجتماعية، يبدأ الجمهور في التعامل معها باعتبارها حقيقة عامة، رغم أنها قد تمثل حالات فردية لا تعبر عن الواقع.

ولذلك فإن مسؤولية الإعلام لا تتمثل في تجميل الواقع أو تشويهه، وإنما في تقديمه بصورة متوازنة تعكس تنوع المجتمع وتعقيده، بعيدًا عن التعميم أو الأحكام المسبقة.

*الصورة الذهنية والهوية

لا تقتصر آثار الصورة الذهنية على نظرتنا للآخرين، بل تمتد إلى نظرتنا لأنفسنا. فالرسائل الإعلامية التي تحدد معايير النجاح، أو الجمال، أو المكانة الاجتماعية، تؤثر في الطريقة التي يقيم بها الإنسان ذاته، وقد تدفعه أحيانًا إلى مقارنة نفسه بصور مثالية بعيدة عن الواقع.

ولهذا أصبحت الهوية الشخصية في العصر الرقمي أكثر عرضة للتأثر بالمحتوى الإعلامي، خاصة لدى الشباب الذين يقضون ساعات طويلة على المنصات الرقمية، ويتعرضون باستمرار لنماذج قد لا تعكس الحياة الحقيقية.

*الوعي الإعلامي… خط الدفاع الأول

لا يمكن إيقاف تدفق الرسائل الإعلامية، لكن يمكن بناء وعي قادر على التعامل معها بقدر أكبر من النقد والموضوعية. ويبدأ ذلك بعدم الاكتفاء بالانطباع الأول، والتحقق من المعلومات، والرجوع إلى أكثر من مصدر، وإدراك أن كل رسالة إعلامية تعكس زاوية معينة من الواقع، وليست الواقع كله. 

فالوعي الإعلامي لا يعني الشك في كل شيء، و إنما يعني امتلاك القدرة على التمييز بين الحقيقة و الانطباع، وبين المعلومة والرأي، وبين الواقع والصورة التي ترسم عنه.

وختاماً…

ستظل الصورة الذهنية جزءًا من الطريقة التي يدرك بها الإنسان العالم، لكن السؤال الأهم ليس: هل تتكون لدينا صور ذهنية؟ فهذا أمر طبيعي، وإنما: كيف تتكون؟ وعلى أي أساس نبنيها؟

فكلما كان الإنسان أكثر وعيًا، وأكثر تنوعًا في مصادر معرفته، وأكثر استعدادًا لمراجعة قناعاته، أصبحت صوره الذهنية أقرب إلى الواقع، وأبعد عن التضليل، وأكثر قدرة على بناء مجتمع يتعامل مع الحقائق، لا مع الانطباعات.

دكتورة هناء خليفة

دكتوراة في الإعلام من كليه الآداب جامعه المنصورة
مهتمة بقضايا الفكر والوعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى