
بقلم أيقونة الاتزان / السفير د. أحمد سمير
في غزة، لا تُقاس الأيام بعدد ساعاتها، بل بعدد من رحلوا فيها ولا تُسجل التواريخ بما حملته من أحداث، بل بما احتضنته الأرض من شهداء، وبما انكسر في قلوب الأمهات، وبما بقي عالقاً في ذاكرة الأطفال الذين لم يعرفوا من طفولتهم سوى أصوات الانفجارات ورائحة الركام.
هناك، حيث يختلط تراب الوطن بدماء أبنائه، يصبح الموت جزءاً من تفاصيل الحياة، وتغدو الجنازة مشهداً يتكرر حتى يكاد القلب يعجز عن احتمال المزيد، لكن غزة تأبى إلا أن تُفاجئ العالم بمشهدٍ يفوق كل ما عرفه الإنسان من وجع.
مشهد يتردد في ذاكرة الإنسانية
لم يكن ذلك مجرد تشييع لشهداء، ولم تكن تلك مجرد جنازة جماعية، بل كان مشهداً تقشعر له الأبدان، وترتجف له الضمائر الحية، إن بقي في هذا العالم ضميرٌ ما زال يشعر.
امتدادٌ طويل من الجثامين الملفوفة بأعلام فلسطين، مصطفة في ساحة واسعة، كأن الأرض نفسها وقفت في صمتٍ مهيب تحتضن أبناءها الذين عادوا إليها دفعةً واحدة، بعد انتظارٍ امتد أكثر من عامين ونصف.
لم تكن الأكفان البيضاء مجرد أقمشة تخفي الأجساد، بل كانت صفحاتٍ من كتاب فلسطين المفتوح، كتبت عليه أسماء رجالٍ ونساءٍ وأطفالٍ قرروا، دون إرادتهم، أن يكونوا شهوداً على واحدة من أكثر صفحات التاريخ إيلاماً.
مئة واثنا عشر شهيداً من عائلتي أبو شريعة والحساينة، عادوا معاً كما عاشوا معاً، ليجتمعوا للمرة الأخيرة تحت علمٍ واحد، ووطنٍ واحد، وقضيةٍ واحدة.
صمت يصرخ بالوجع والحقيقة
في تلك الساحة لم يكن الصمت صامتاً، بل كان يصرخ.
كان كل كفنٍ يروي حكاية منزلٍ لم يعد له باب، وأمٍ كانت تنتظر أبناءها على مائدة الطعام، وطفلٍ أخفى لعبته على أمل أن يعود إليها في صباح اليوم التالي، لكنه لم يعد أبداً كانت الأكفان تتحدث بلغةٍ لا تحتاج إلى ترجمة، لغة يفهمها كل من بقي في قلبه شيءٌ من الإنسانية.
لقد انتظرت تلك العائلات أكثر من عامين ونصف حتى تتمكن من دفن أحبائها لم يكن التأخير مجرد تأجيل لمراسم الوداع، بل كان استمراراً للألم نفسه.
فهناك أمهاتٌ لم يعرفن أين يرقد أبناؤهن، وآباء ظلوا يعيشون بين الرجاء واليأس، وأطفال كبروا وهم ينتظرون أن يعود آباؤهم الذين لم يعودوا قط.
وفي الثاني والعشرين من نوفمبر عام 2023، وقعت واحدة من أكثر المجازر دموية في حي الصبرة جنوب مدينة غزة، حيث أسفرت عن استشهاد أكثر من 300 فلسطيني من عائلتي أبو شريعة والحساينة، بينهم عشرات الأطفال والنساء وذوو الإعاقة، بينما بقيت أجساد كثيرة تحت الأنقاض لأشهر طويلة، قبل أن يتمكن ذووها أخيراً من مواراتها الثرى.
- أي وجعٍ هذا الذي يجعل الإنسان ينتظر سنوات ليمنح ابنه حقه الطبيعي في قبر؟
- أي عالمٍ هذا الذي يسمح بأن يبقى الموت معلقاً تحت الركام، بينما تستمر الحياة خارجه كأن شيئاً لم يكن؟
الكرامة التي لا تقبل الاقتلاع
إن أكثر ما يؤلم في هذه المجازر ليس فقط عدد الضحايا، بل اعتياد العالم عليها أصبحت نشرات الأخبار تمر سريعاً على أسماء الشهداء، ثم تنتقل إلى خبرٍ آخر، بينما تبقى العائلات تعيش الحزن ذاته كل صباح، وكأن الفاجعة تتكرر كل يوم.
في غزة، لا يموت الإنسان وحده، بل تموت معه ذكريات بيتٍ كامل، وصور الأعراس، وضحكات الأطفال، ورائحة الخبز في الصباح، وأحلام الأمهات التي كانت تكبر مع أبنائهن.
ورغم كل هذا، لم تستطع آلة الحرب أن تنتزع من الفلسطينيين أغلى ما يملكون الكرامة.
كانت الأعلام الفلسطينية التي التفّت حول الأكفان رسالةً أبلغ من آلاف الكلمات لم تكن مجرد رمزٍ وطني، بل كانت إعلاناً بأن أصحاب هذه الأرض يرحلون مرفوعي الرأس، وأن الوطن الذي احتضنهم أحياءً سيحتضنهم شهداء، وأن الدم لا يقطع علاقة الإنسان بأرضه، بل يزيدها رسوخاً.
وقف المشيعون في صمتٍ يليق بعظمة الفقد، لكن ذلك الصمت لم يكن استسلاماً، بل كان صموداً كانت الدموع تنهمر، لكن العيون بقيت مرفوعة نحو السماء، كأنها تقول إن الظلم مهما طال، فلن يكون قدراً أبدياً.
هناك لحظات تعجز فيها اللغة عن أداء رسالتها، ويصبح الصمت أبلغ من الخطب، لكن صورة مئة واثني عشر شهيداً مصطفين في جنازة واحدة ستبقى شاهدة على أن المأساة في غزة تجاوزت حدود الأرقام، ودخلت منطقة الألم الإنساني الخالص.
أين حقوق الإنسان والإنسانية ؟!
لقد اعتاد العالم أن يتحدث عن حقوق الإنسان، وعن العدالة، وعن حماية المدنيين، لكن تلك الأكفان البيضاء كانت تسأل سؤالاً واحداً لا يحتاج إلى إجابة سياسية:
- أين كانت الإنسانية؟
- أين كانت عندما بقي الأطفال تحت الأنقاض؟
- أين كانت عندما انتظرت الأمهات سنوات ليحتضنَّ أبناءهن للمرة الأخيرة؟
- أين كانت عندما تحول الحق في الدفن إلى أمنية مؤجلة؟
إن الكرامة الإنسانية لا تُقاس بجنسية الإنسان، ولا بدينه، ولا بلونه، ولا بموقفه السياسي إنها حقٌ أصيل يولد مع الإنسان، لكن غزة ما زالت تدفع كل يوم ثمن المطالبة بهذا الحق البديهي.
أعظم قصص الصمود في التاريخ الحديث
ورغم ذلك كله، فإن الفلسطينيين يواصلون كتابة واحدة من أعظم قصص الصمود في التاريخ الحديث.
إنهم لا يحتفلون بالموت، بل يكرمون من رحلوا لا يعشقون الحرب، بل يتمسكون بالحياة رغم أن الحرب تلاحقهم في كل زاوية.
يبنون خيامهم فوق الركام، ويعود الأطفال إلى رسم الشمس على دفاتر ممزقة، وتزرع الأمهات الأمل في قلوب أبنائهن كما يزرعن شتلات الزيتون في أرضٍ تعرف جيداً أن جذورها أعمق من كل محاولات الاقتلاع.
لقد أثبت التاريخ أن الأمم لا تُقاس بعدد من يسقطون فيها، بل بقدرتها على النهوض بعد كل سقوط، وفلسطين منذ عقود، تقدم للعالم درساً لا يُدرَّس في الجامعات، بل يُكتب بدماء الشهداء وصبر الأمهات: أن الإنسان قد يُهزم عسكرياً، لكنه لا يُهزم ما دام متمسكاً بحقه وكرامته.
ستبقى تلك الأكفان البيضاء، المصطفة تحت علم فلسطين، واحدةً من أكثر الصور رسوخاً في ذاكرة الإنسانية ليست لأنها تُظهر الموت، بل لأنها تُظهر الحياة التي رفضت أن تستسلم حتى في لحظة الوداع.
وسيأتي يوم تُطوى فيه صفحات الحروب، لكن التاريخ لن ينسى من وقف مع المظلوم، كما لن ينسى من صمت وهو يرى الأطفال يُنتشلون من تحت الركام فالتاريخ لا يكتب فقط أسماء المنتصرين، بل يكتب أيضاً مواقف الشرفاء، ويكشف صمت المتفرجين.
في النهاية، يبقى الفلسطيني، كما كان دائماً، واقفاً على تراب وطنه، يحمل بين يديه مفتاح بيته، وفي قلبه يقين لا يتزعزع بأن الليل مهما طال، فلا بد أن يعقبه فجر.
رسالة مخلدة لا تُدفن
رحل مئة واثنا عشر شهيداً، لكنهم لم يرحلوا من ذاكرة شعبهم، ولن يكونوا مجرد أرقام في أرشيف الأخبار سيبقون أسماءً تحفظها الأمهات في الدعاء، ويحفظها الأطفال في حكاياتهم، ويحفظها الوطن في ترابه الذي ارتوى بدمائهم.
لقد أراد الموت أن يجعل من هذه الجنازة نهاية حكاية، لكنها كانت بداية رسالة.
رسالة تقول إن الكرامة لا تُدفن مع أصحابها، وإن الأوطان التي تُروى بدماء أبنائها لا تموت، وإن شعباً استطاع أن يشيع أكثر من مئة شهيد من عائلة واحدة، وهو يرفع راية وطنه عالياً، لن تنكسر إرادته مهما اشتد الظلم.
سلامٌ على الشهداء الذين سبقونا إلى الخلود، وسلامٌ على الأمهات اللواتي علّمن العالم أن الصبر ليس ضعفاً، بل بطولة صامتة وسلامٌ على غزة… المدينة التي كلما ظن العالم أنها انكسرت، نهضت من بين الركام أكثر تمسكاً بالحياة، وأكثر إيماناً بأن الحق قد يتأخر، لكنه لا يموت، وأن الكرامة، مهما أثقلتها الجراح، ستظل أعلى من كل ركام، وأبقى من كل قوة، وأخلد من كل ظلم.
السفير د. أحمد سمير
عضو هيئة ملهمي ومستشاري الأمم المتحدة
السفير الأممي للشراكة المجتمعية
رئيس مؤسسة الحياة المتزنة العالمية










