الدعم النفسي لأطفال دور الرعاية البديلة

بقلم- ا نداء الحديدي
… ليس رفاهية بل خط دفاع أول
داخل دور الرعاية البديلة، يقضي أطفال فقدوا أسرهم أو حُرموا منها سنوات تكوينهم الأولى،
تُصرف الموارد غالبًا على المأكل والملبس والتعليم، بينما تبقى الحاجة إلى الدعم النفسي في ذيل قائمة الأولويات، وكأنها كماليات يمكن الاستغناء عنها عند ضيق الميزانية. لكن الدراسات والتجارب الميدانية تقول عكس ذلك تمامًا:
الدعم النفسي لهؤلاء الأطفال ليس رفاهية، بل شرط أساسي لبقائهم وتعافيهم واندماجهم في المجتمع.
فقدان الطفل لأسرته الطبيعية، سواء بالوفاة أو الإهمال أو مجهولية النسب، ليس حدثًا عابرًا يُطوى بمرور الوقت. تشير أبحاث عديدة إلى أن الأطفال المودعين في مؤسسات الرعاية أكثر عرضة للاكتئاب والقلق وتدني الذات ومشاعر الغضب والصدمة النفسية، مقارنة بأقرانهم الذين يعيشون في بيئة أسرية.
هذه الآثار لا تظهر دائمًا في صورة واضحة؛ فقد تتخفى وراء طفل هادئ لا يسبب مشكلات، بينما يحمل بداخله قلقًا واضطرابًا في التعلق يؤثر على علاقاته وتحصيله الدراسي لسنوات طويلة قادمة.
الدراسات المقارنة بين أنواع الرعاية المختلفة تكشف أن الأطفال في مؤسسات الرعاية الحكومية يسجلون أدنى المؤشرات على معظم مقاييس النفسيه ، وذلك بسبب ضعف فرص الاهتمام الفردي، وجداول حياة صارمة تترك مساحة ضئيلة للاستقلالية، وضعف استمرارية العلاقة مع مقدم الرعاية نفسه. كل هذه عوامل تراكمية تجعل الحاجة إلى تدخل نفسي متخصص أمرًا لا غنى عنه، لا خيارًا إضافيًا.
قد يوفر مأوى الرعاية بيئة نظيفة وآمنة من الناحية المادية، لكن الأمان النفسي مسألة مختلفة تمامًا. اتفاقية حقوق الطفل نفسها تؤكد أن الأسرة، بوصفها الوحدة الأساسية في المجتمع، هي البيئة الطبيعية لنمو الطفل وحمايته؛.
من دون دعم نفسي منظم، تتحول هذه الفجوة إلى مشكلات سلوكية وتعليمية تظهر لاحقًا:
صعوبة في تكوين علاقات، انخفاض في الثقة بالنفس، وأحيانًا عدوانية أو انطواء حاد. الأبحاث تشير إلى أن التدخلات الأكثر فعالية في مواجهة هذه المشكلات تجمع بين العلاج المعرفي السلوكي، والدعم التعليمي، والأنشطة اللامنهجية كالرياضة والفنون، التي تساعد الطفل على بناء مهارات اجتماعية وعلاقات تعلق آمنة بديلة.
المفارقة أن هذا الوعي بأهمية الدعم النفسياصبح نظريًا في كثير من الأدبيات والتدريبات الموجهة للعاملين في مجال الرعاية البديلة،
لكنه غالبًا ما يصطدم بواقع التمويل المحدود ونقص الكوادر المتخصصة. فحين توضع الميزانيات، يُنظر إلى الأخصائي النفسي كبند يمكن تأجيله أو تقليصه، بينما يُنظر إلى الطعام والمسكن كأولوية لا تقبل النقاش. هذا الترتيب في الأولويات يتجاهل حقيقة بسيطة: طفل يعاني اضطرابًا نفسيًا غير معالج لن يستفيد من التعليم الجيد ولا من الرعاية الصحية بالقدر نفسه الذي يستفيد به طفل مستقر نفسيًا.
ومن هنا الحل لا يبدأ من مضاعفة الموارد ، بل من تغيير النظرة أولًا.
إدماج المتابعة النفسية كجزء ثابت من برنامج الرعاية، لا كخدمة استثنائية تُطلب عند ظهور أزمة،
وتدريب العاملين في الدور على التعرف المبكر على علامات الاضطراب النفسي، وتوفير جلسات دعم دورية ومنتظمة، كلها خطوات لا تتطلب بالضرورة ميزانيات ضخمة بقدر ما تتطلب إعادة ترتيب الأولويات. كما أن إشراك الأطفال أنفسهم، والاستماع إلى تجاربهم، يمثل خطوة أساسية غالبًا ما تُغفل رغم بساطتها.
في النهاية، الاستثمار في الصحة النفسية لأطفال دور الرعاية ليس بندًا إضافيًا في ميزانية الرعاية الاجتماعية، بل هو الأساس الذي يحدد ما إذا كان هؤلاء الأطفال سيكبرون قادرين على بناء حياة مستقرة، أم سيحملون جراحًا غير معالجة إلى مرحلة البلوغ. حين نتعامل مع الدعم النفسي بوصفه رفاهية، فإننا في الحقيقة نؤجل مشكلة أكبر ونضاعف عقدهم الاجتماعية والإنسانية لاحقًا
نداء الحديدى
استشارى تطوير الرعايه البديله واداره المؤسسات التنمويه .



